بينما يعيش أبناء اليمن واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، لا بفعل كوارث طبيعية، ولا نتيجة فشل داخلي كما يحاول إعلام العدوان تصويره، تتكشف الحقيقة الأكثر قسوة ووضوحًا: ما يجري ليس مُجَـرّد حرب عسكرية، بل حرب اقتصادية شاملة، تُدار بلا صواريخ، لكنها تؤدي إلى نفس النتيجة، بل وأعظم: تجويع الشعب، ونهب ثروته، وكسر إرادته، تحت مسمى "السلام".
منذ سنوات، يتعرض اليمن لعدوان مباشر وحصار خانق تقوده السعوديّة والإمارات، وبدعم سياسي وعسكري واستخباراتي من أمريكا، التي كانت الراعي الرسمي لهذا العدوان.
ومع فشل أدواتها، انتقلت القوى العدوانية إلى العدوان المباشر والسيطرة على الاقتصاد، لتحويل لقمة عيش اليمنيين إلى ورقة ضغط وابتزاز سياسي.
في هذه المرحلة، أصبح التحكم في مصادر الدخل السيادي، وفي مقدمتها النفط والغاز، أدَاة لإدارة الأزمة.
جرى نهب هذه الثروات علنًا، بينما تُرك ملايين اليمنيين بلا رواتب، والمستشفيات بلا إمْكَانيات، والخدمات الأَسَاسية على حافة الانهيار.
إنها سياسة تجويع ممنهجة تهدف لإخضاع شعب بأكمله، بعد أن فشل العدوان العسكري في كسر إرادته.
أما ما يُروّج له باسم "السلام"، فلم يكن يومًا طريقًا لتخفيف المعاناة، بل غطاءً لإطالة أمد الحصار وإدامة الألم.
أي تهدئة مع قوى العدوان لم تُترجم إلى التزام إنساني حقيقي؛ لا في صرف المرتبات، ولا في رفع الحصار، ولا في تمكين اليمنيين من مواردهم المنهوبة.
السلام بهذا الشكل خدعة سياسية لإدامة الجريمة.
لقد نُهبت عائدات النفط والغاز اليمنية بشكل سافر، وتم توريدها إلى البنك الأهلي السعوديّ بدلًا من تخصيصها للشعب.
وهذه ليست ادِّعاءات، بل وقائع يعرفها كُـلّ يمني، وتكشف أن النظام السعوديّ لا يسعى إلى حَـلّ، بل إلى إدارة الأزمة بما يخدم أهدافه، في محاولة يائسة لكسر صمود اليمنيين عبر الجوع.
غير أن ما فشل العدوان في إدراكه، هو أن الشعب الذي صمد أمام القصف والحصار والتجويع، لا يمكن إخضاعه.
فالتجويع لم يكسر إرادته، ونهب الثروة لم يدفعه للتنازل عن كرامته، بل زاده صلابة.
الرهان على إنهاك اليمنيين رهان خاسر، لأن الشعوب قد تُحاصر، لكنها لا تُقهر، وقد تُجَوّع، لكنها لا تبيع سيادتها.
أما المرتزِقة الذين يدّعون تمثيل اليمن، فليسوا سوى أدوات لتنفيذ العدوان، وشركاء في نهب الثروة وتبرير الحصار.
صمتوا على سرقة الموارد، وهاجموا كُـلّ من طالب بحقوق المواطنين، بل تجاوزوا ذلك إلى القتال دفاعًا عن المصالح السعوديّة والإماراتية، ما يثبت أنهم جزء أصيل من منظومة العدوان، لا ممثلون لإرادَة الشعب.
من يمثل الشعب اليمني فعلًا، وحكومة الشعب الشرعية، فهي التي تحكم من العاصمة صنعاء، لا تلك التي تُدار من غرف الفنادق في الرياض وأبوظبي وواشنطن.
وخلاصة القول، إن ما يجري في اليمن ليس أزمة عابرة، بل جريمة مكتملة الأركان: عدوان عسكري، وحصار اقتصادي، ونهب منظم للثروة الوطنية، وتجويع متعمد للشعب تحت غطاء "السلام".
ولن يكون هناك سلام حقيقي ما دام الجوع سلاحًا ونهب الثروة سياسة.
فاليمنيون اختاروا طريق الصمود، وسيثبتون – كما فعلوا دائمًا – أن الحرية تُنتزع، والحقوق لا تُمنح، وأن زمن إخضاع الشعوب قد ولى إلى غير رجعة.