على مرافئ التاريخ الممتدّة من يَمّ القلزم إلى مواجع الحاضر، وبعين البصيرة التي تخترق حُجُب المادّة لتبصر نور السماء، يتجلّى لنا مشهدٌ صاغه السيد القائد –يحفظه الله– في محراب رمضان، لم يكن سردًا لقصص الأولين فحسب، وإنما كان استنطاقًا للنواميس الإلهية التي لا تتبدّل، ورسمًا لخارطة الصراع بين من يملك السطوة العابرة، ومن يملك الرعاية الباقية.
إن الناظِرَ في قصة كليم الله موسى –عليه السلام– كما فصّلها خطابُ السيد القائد، يرى هندسةً غيبيةً تُحيل أدوات الموت إلى محاضن للحياة؛ فحين أوقد فرعون نيران حقده لذبح الطفولة في مهدها، واستخدم كُـلّ وسائل الإجراءات التنفيذية لقطع دابر المستضعفين، كان التدبير الإلهي يسوق الخَلاص إلى عُقر داره.
إلقاء موسى في اليمّ كان إيداعًا في أمانة الله، حَيثُ تحوّل الماء، وهو عُنصر الإغراق، إلى جسر عبور نحو القصر، وفي هذا محض العبرة لطغاة العصر من الأمريكيين والصهاينة؛ إذ يظنون أن إحكامَ القبضة وسدَّ المنافذ سيمنع المحتوم، وما دَرَوا أن رعايةَ الله تنفُذُ من خُرم الإبرة، وتجعل من جيوش العدوّ نفسه خَدَمًا لقدَر الله في إسقاطهم.
ولقد أبان السيد القائد عن مقام المرأة في هذا الموكب القدسي، مسلّطًا الضوء على ثلاثية (الأم، والأخت، وزوجة الطاغية)؛ تلك النسوة اللاتي كنّ أركانًا سيادية في مشروع النجاة، فالمحبّة التي ألقاها الله على موسى كانت سلاحًا أمضى من سيوف الجلّادين، حتى انحنت إرادَة فرعون أمام شفاعة امرأة آوت نبيًّا وهو في حجر جبّار، وهذا يؤكّـد صدق الرؤية في أن القيم والمشاعر والوعيَ هي الميادين الحقيقية التي يُهزم فيها الظلم قبل أن تُقرع الطبول في ساحات الوغى.
وإن الكِلَمَ لَيعجز عن وصف بلاغة السقوط التي سطّرها السيد القائد حين ربط بين مصائر الأمم وبين تراكم الخطيئات؛ فما فرعون وهامان وجنودهما إلا نماذج لكل من غرّته القوة العسكرية والاقتصاد الضارب.
الطغيان الذي يستفحل اليوم في أرضنا، ويتجاوز حدود العقل بنشر الفساد والرذيلة والظلم الرهيب، ليس دليلًا على البقاء، وإنما إيذان بالهلاك؛ فالقانون الإلهي يقضي بأن للإجرام سقفًا محدودًا، فإذا نطح الطاغية هذا السقف انهملت عليه نِقَمُ السماء بصور شتّى، ليصبح الجبروت الذي استعان به عين السبب في تمزيق شمله.
بهذه المحاضرة يقدّم السيد القائد شهادة على حضور السُّنّة الإلهية؛ فكما أنطق الله لسانَ زوجة فرعون ليبقى موسى، وكما غيّر الله مشاعر الأعداء ليحموا من سيحطّم عروشهم، فإن القدرة الإلهية اليوم تعمل في الخفاء والعلن لتحويل كيد المستكبرين إلى تَباب، وإن العاقبة للمتقين، وإن التاريخ لا يكتبه أصحاب الطائرات والبوارج، بل يكتبه ربّ العالمين الذي يجعل من ضَعف المستضعَفين قوةً تدكّ حصون الظالمين، وإن غدًا لناظره قريب.