تبدو المنطقة اليوم وكأنها تعيد صياغة التاريخ في لحظة استثنائية من المواجهة الوجودية؛ حَيثُ تهاوت أساطير الردع التقليدية أمام ضربات محور المقاومة التي لم تكتفِ بالدفاع، بل انتقلت إلى الهجوم الاستراتيجي الشامل.
إن ما يشهده العالم الآن من استهداف إيراني مباشر ومرعب للقواعد الأمريكية في الخليج العربي وسوريا والأردن والعراق، وُصُـولًا إلى دك العمق الإسرائيلي في تل أبيب وكافة المناطق الحيوية في فلسطين المحتلّة، يمثل زلزالًا جيوسياسيًّا أطاح بموازين القوى التي استقرت لعقود.
هذه المواجهة لم تكن مُجَـرّد رد فعل عسكري، بل كانت إعلانا صريحًا عن ولادة نظام إقليمي جديد تقوده إرادَة الشعوب المقاومة؛ حَيثُ تحولت التكنولوجيا العسكرية الغربية المتطورة إلى مُجَـرّد حطام أمام سيل المسيرات والصواريخ البالستية التي لم تستثنِ قاعدة أَو حصنًا للمستكبرين.
الكماشة الفولاذية والاستنزاف الشامل
إن صمود إيران الراسخ، والتحام حزب الله في جبهة لبنان، والعمليات النوعية للمقاومة في العراق، شكلت كماشة فولاذية أطبقت على المشاريع الاستعمارية.
لقد دخلت الولايات المتحدة وكَيان الاحتلال في نفق مظلم من الاستنزاف الشامل؛ استنزاف لم يقف عند حدود الآلة العسكرية التي تحطمت هيبتها، بل امتد لينهك الاقتصاد الغربي المترنح أصلًا، ويخلق حالة من الرعب الوجودي لدى المستوطنين والنخب السياسية.
هذه الخسائر البشرية والمادية الهائلة، والانهيار المتسارع في الروح المعنوية للجيوش التي كانت تظن أنها لا تُقهر، دفعت بالرئيس "ترامب" للاستنجاد بحلفائه الغربيين للمشاركة في هذه المحرقة؛ في اعتراف ضمني بالعجز الأمريكي الفاضح عن مواجهة "قوة إيران" وحلفائها بمفرده.
عقيدة "الند للند" وانهيار القطب الواحد
لقد أدرك الغرب، ومعهم كَيان الاحتلال وحلفاؤهم، أنهم أمام خصم من نوع مختلف؛ خصم لا يرهبه التهديد ولا يكسره الحصار، بل يستمد قوته من عقيدة "الند للند".
إن محور المقاومة اليوم يثبت للعالم أجمع أنه المحور الوحيد القادر على لجم محور الاستكبار العالمي، محولًا الأرض تحت أقدام الغزاة إلى جحيم مستعر.
إن هذا الاستنزاف المالي والعسكري الذي يعانيه المعسكر الغربي ليس سوى مقدمة لانهيار الهيمنة القطبية الواحدة؛ حَيثُ تتجلى الحقيقة الناصعة بأن النصر في هذه المعركة الكونية ليس لمن يمتلك التكنولوجيا فحسب، بل لمن يمتلك الإرادَة والسيادة والحق، وهو ما يضع محور المقاومة في خانة المنتصر الحتمي، معلنًا نهاية زمن الغطرسة وبداية عصر الشعوب الحرة.