​تأتي ذكرى يوم القدس العالمي في الجمعة، الأخيرة من شهر رمضان المبارك هذا العام، لترسم ملامح مرحلة تاريخية استثنائية تجاوزت فيها القضية الفلسطينية حدود التضامن الموسمي، لتتحول إلى "محرك استراتيجي" للصراع الكوني بين مشروع التحرّر والاستقلال وبين مشروع الهيمنة والاستعمار.

​في الكلمة الأخيرة، وضع السيد القائد عبدالملك بدر الدين الحوثي حفظه الله النقاط على الحروف، مقدمًا قراءة تفصيلية لا تكتفي بتشخيص الداء، بل ترسم مسار الدواء في معركة الوعي والإدارة والميدان.

 

​إعادة تعريف الصراع.. "القدس كقضية وجودية"

​لم يعد الحديث عن القدس مُجَـرّد حديث عن جغرافيا محتلّة، بل هو حديث عن "هُوية الأُمَّــة" ومستقبلها.

لقد أكّـدة الكلمة أن المشروع الصهيوني ليس خطرًا محصورًا في فلسطين، بل هو مخطّط توسعي يسعى لابتلاع المنطقة برمتها تحت مسميات "إسرائيل الكبرى" و"تغيير الشرق الأوسط".

هذا التشخيص يضع النخب العربية والإسلامية أمام مسؤولية دينية وتاريخية؛ فالحياد في هذه المعركة ليس إلا "تخديرًا" ممنهجًا مارسته القوى الاستعمارية، بدءًا من بريطانيا وُصُـولًا إلى أمريكا، "حاملة الراية الصهيونية".

 

​"فرسان الإعلام" وجبهة الوعي

​من أهم المفاصل التي ركز عليها الخطاب هو دور الإعلام كجبهة جهادية متقدمة.

إن "أبواق الصهيونية" لا تكتفي بدعم القتل العسكري، بل تمارس قتلًا معنويًّا عبر "تزييف الوعي" وتمرير مشاريع "التطبيع" كخيار وحيد.

وهنا تبرز أهميّة تحَرّك "فرسان الإعلام" والمثقفين كمجاهدين في سبيل الله، لكشف زيف الموقف الأمريكي الذي يحاول تسويق نفسه كـ "راعٍ للسلام" بينما هو المحرك الفعلي لكل جرائم الإبادة.

 

​الصمود الإيراني ومعادلة الردع

​لقد قدم الخطاب "الجمهورية الإسلامية في إيران" كنموذج عملي وناجح للصمود والثبات.

إن الرد الإيراني القوي والمدمّـر على القواعد الأمريكية وكيان الاحتلال الصهيوني لم يكن مُجَـرّد فعل عسكري، بل هو إعلان عن سقوط "معادلة الاستباحة".

هذا النموذج يثبت أن الرهان على "المعاهدات وأنصاف الحلول" هو رهان باطل، وأن خيار "التولي لله" والاعتماد على الذات وبناء القوة هو السبيل الوحيد لحماية السيادة الوطنية والإقليمية.

 

​اليمن.. من الإسناد إلى الريادة

​يبرز الموقف اليمني كأحد أقوى تجليات الهُوية الإيمانية والروحية الجهادية.

إن تأكيد السيد القائد على الجهوزية لكل التطورات يعكس التحول الكبير في القدرات اليمنية، التي باتت اليوم ركيزة أَسَاسية في "محور المقاومة".

الخروج المليوني الذي يشهده اليمن في يوم القدس ليس مُجَـرّد مشهد جمالي، بل هو "استفتاء شعبي" على خيار المواجهة وتأكيد على أن اليمن لن يقبل بأي معادلة تنتقص من كرامة الأُمَّــة أَو تستبيح مقدساتها.

 

​"المستقبل لمن يملك الرؤية واليقين"

​إننا اليوم أمام واقع يتكشف فيه زيف القوى الاستكبارية وفشل مشاريعها التدجينية.

إن العودة إلى "الرؤية القرآنية" هي المخرج للأُمَّـة من حالة "العمى السياسي" والتبعية المذلة.

يوم القدس هو يوم "الفرقان" الذي يتمايز فيه الصادقون عن الكاذبين، والمجاهدون عن المتخاذلين.

​إن القدس تقترب، ليس بالأماني، بل بالوعي، وبالبناء الإيماني والعسكري والسياسي والاقتصادي، وبالثقة المطلقة بوعد الله بنصر عباده المؤمنين.