في زمنٍ تتكاثر فيه الضوضاء وتختلط فيه المواقف، يخرج اليمنيون إلى الساحات بقلوبٍ ثابتة وخطى واثقة، ليجددوا العهد مع القدس في يوم القدس العالمي، ذلك اليوم الذي تحوّل إلى موعدٍ سنوي تتجلى فيه إرادَة الشعوب ووعيها بقضيتها المركزية.

لم يكن المشهد مُجَـرّد تجمعاتٍ بشريةٍ عابرة، بل كان تعبيرًا عميقًا عن وجدان أُمَّـة لا تزال ترى في القدس ميزان الكرامة وبوصلة الانتماء.

 

يوم القدس.. صوت الأُمَّــة الذي لا يخفت

يأتي يوم القدس العالمي كُـلّ عام ليذكر العالم بأن قضية فلسطين لم تتحول إلى ذكرى، ولم تبهت في ضمير الشعوب رغم تعاقب الأعوام وتبدل الظروف.

ومن بين كُـلّ الساحات التي ترتفع فيها الأصوات، تبدو الساحات اليمنية اليوم واحدةً من أكثرها حضورًا وصدقًا.

ففي المدن والقرى، في الميادين والشوارع، خرجت الحشود تحمل القضية في صدورها قبل أن تحملها في شعاراتها.

لم تكن المسيرات مُجَـرّد تعبيرٍ سياسي، بل شهادة تاريخية على أن الوعي الشعبي ما يزال قادرًا على كسر جدران الصمت، وأن الشعوب حين تتحَرّك بدافع الإيمان والضمير تصنع مشهدًا لا يمكن تجاهله.

 

اليمن.. حين ينهض الإيمان من عمق التاريخ

ولعل ما يجعل هذا المشهد أكثر عمقًا أن اليمنيين يستحضرون في وجدانهم قول النبي صلى الله الله عليه وآله وسلم «الإيمان يمانٍ والحكمة يمانية»، وهو الحديث الذي رواه محمد بن عبد الله ليخلّد به مكانة اليمن وأهله في مسيرة الإسلام.

واليوم، بعد قرونٍ طويلة، يبدو أن هذه الكلمات تستعيد معناها في الواقع.

فالإيمان الذي تحدث عنه النبي لا يُقاس بالشعارات، بل بالمواقف؛ والحكمة التي وصف بها اليمنيين لا تظهر في الأقوال وحدها، بل في القدرة على التمييز بين الحق والباطل، وبين القضايا العادلة والقضايا المصطنعة.

وفي هذا السياق، يتحول الحضور الجماهيري في يوم القدس إلى رسالةٍ تتجاوز الجغرافيا والسياسة، رسالة تقول إن الشعوب التي تمتلك الوعي والإيمان لا يمكن أن تُسلَب بوصلتها مهما اشتدت العواصف.

 

القدس.. قضية تتجاوز الحدود

لم تكن القدس يومًا مُجَـرّد مدينةٍ محاصرةٍ في خارطةٍ سياسية، بل كانت عبر التاريخ رمزًا دينيًّا وحضاريًّا يجتمع حوله وجدان المسلمين.

ومن هنا تأتي رمزية يوم القدس؛ فهو ليس يومًا للتضامن فحسب، بل مناسبة لإحياء الوعي بأن القضية الفلسطينية ليست قضية شعبٍ واحد، بل قضية أُمَّـة بأكملها.

إن خروج الجماهير اليمنية اليوم يعكس حقيقةً مهمة: أن الشعوب ما تزال قادرة على إعادة تعريف أولوياتها، وأن القضايا العادلة تظل حية في الذاكرة الجماعية مهما حاولت السياسة الدولية إزاحتها إلى الهامش.

 

حين تتكلم الشعوب

قد تختلف الحسابات السياسية بين الدول، وقد تتغير موازين القوة في المنطقة، لكن ما يبقى ثابتًا هو صوت الشعوب.

وهذا الصوت حين يخرج بالملايين لا يكون مُجَـرّد تعبيرٍ عاطفي، بل إعلانا عن موقفٍ أخلاقي وتاريخي.

في هذا اليوم، بدا اليمنيون وكأنهم يكتبون صفحةً جديدة في سجل التضامن الشعبي مع فلسطين، صفحة تقول إن القدس ما تزال حاضرة في الضمير، وإن الإيمان الذي وصفه النبي في أهل اليمن ما يزال ينبض في قلوبهم.

 

رسالة من اليمن إلى العالم

إن المشهد الذي شهدته الساحات اليمنية اليوم ليس حدثًا عابرًا في تقويم المناسبات، بل رسالةٌ واضحة بأن قضية القدس لا تزال حيّة في وجدان الشعوب.

رسالة تقول إن الأُمَّــة قد تمر بسنواتٍ من الانقسام والضعف، لكنها لا تفقد قدرتها على التذكّر حين يتعلق الأمر بمقدساتها وكرامتها.

وهكذا، بينما يرفع اليمنيون أصواتهم في يوم القدس العالمي، يبدو المشهد وكأنه ترجمةٌ حية لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم قبل أربعة عشر قرنًا: «الإيمان يمانٍ والحكمة يمانية».

ففي تلك الساحات، حَيثُ تختلط الهتافات بالدعاء والوعي بالإيمان، تتجدد الحقيقة التي لا يغيّرها الزمن:

أن الشعوب التي تحمل الإيمان في قلوبها لا يمكن أن تنسى القدس، ولا أن تتخلى عن قضيتها مهما تبدلت الأزمنة.