لم يعد العالم كما كان قبل سنوات.

ذلك الزمن الذي كانت فيه أمريكا  تتحدث بثقة عن الهيمنة المطلقة، وتفرض إرادتها العسكرية والسياسية على المنطقة بلا منازع، بدأ يتصدع أمام واقع جديد تصنعه إرادَة الشعوب وقوى المقاومة في المنطقة.

لقد بنت أمريكا صورتها العالمية على فكرة القوة التي لا تُقهر، وعلى حاملات الطائرات والقواعد العسكرية المنتشرة في البحار واليابسة.

لكن التجارب المتتالية في الشرق الأوسط كشفت أن القوة العسكرية وحدها لا تكفي لكسر إرادَة الشعوب التي تؤمن بقضيتها وتقاتل دفاعًا عن سيادتها وكرامتها.

في اليمن، شاهد العالم كيف واجه شعب محاصر منذ سنوات واحدة من أعقد التحالفات العسكرية في العصر الحديث.

ورغم الحصار والحرب والقصف، لم ينكسر هذا الشعب، بل استطاع أن يفرض معادلات جديدة في المنطقة، حتى أصبحت القواعد والسفن الحربية الأمريكية تتعامل مع الساحة اليمنية بحذر شديد لم يكن موجودًا من قبل.

 

واليوم تتكرّر الصورة في ساحة أُخرى.

فالجمهورية الإسلامية الإيرانية، التي عاشت عقودًا تحت العقوبات والضغوط السياسية والعسكرية، استطاعت أن تبني قدرات استراتيجية وعسكرية جعلت أي مواجهة معها مكلفة ومعقدة للغاية.

هذا التحول لم يأتِ فجأة، بل كان نتيجة سنوات طويلة من التخطيط وبناء القوة الذاتية والتكنولوجيا العسكرية والاعتماد على القدرات المحلية.

المشهد الذي يتشكل اليوم في الشرق الأوسط يعكس حقيقة واضحة: زمن الهيمنة الأحادية بدأ يتراجع، والمنطقة تدخل مرحلة توازنات جديدة لم تعد فيها القرارات تُفرض بالقوة كما كان يحدث في الماضي.

التاريخ يعلمنا أن القوةَ الحقيقية ليست فقط في السلاح، بل في الإرادَة والعقيدة والقدرة على الصمود.

وكلما حاولت القوى الكبرى فرض سيطرتها بالقوة، ظهرت قوى أُخرى ترفض الخضوع وتعيد رسم موازين القوى.

قد تختلف القراءات السياسية للأحداث، لكن ما لا يمكن إنكاره هو أن الشرق الأوسط يعيش مرحلة تحولات كبرى، وأن موازين القوى التي حكمت المنطقة لعقود لم تعد ثابتة كما كانت.

وفي مثل هذه اللحظات التاريخية، تتذكر الشعوب دائمًا حقيقة بسيطة لكنها عميقة:

أن وعد الله بنصرة المستضعفين وبزوال الظلم ليس مُجَـرّد شعار، بل سنّة من سنن التاريخ التي تتكرّر كلما اجتمعت الإرادَة مع الصبر والثبات.