في زمن المكاشفة، حَيثُ تمايزت الصفوف وغربلت الأحداثُ معادن الرجال، يخرجُ علينا يومَ أمس شهيدُ اليوم القائد علي لاريجاني، برسالة للأمة الإسلامية؛ لا استجداء لصحوةِ ضمائر ميتة، بل إقامة للحُجّـة وإبراءً للذمة أمام الله والتاريخ.

إنه توضيح في حضرةِ أمم استمرأت الذل، وظنت أن انبطاحها تحت أقدام الأمريكي هو قمة الحكمة، بينما تعتبر وقوف إيران في وجه الاستكبار جــرمًا يستوجب الحقد والافتراء! والله المستعان.

مَن المعتدي ومَن الضحية؟

يسأل السائلون بحقدٍ مسموم: لماذا إيران؟ ونحن نسأل بلسان الحق والواقع: لماذا تجعلون إيران الإسلامية على خطأ وهي التي تدفع ثمن تمسكها بكرامتها، بينما تجعلون أنفسكم على صح وأنتم مُجَـرّد قواعد متقدمة لخدمة المشروع الصهيوني؟

إيران لم تعتدِ على جيرانها، بل دافعت عن نفسها وعن الأُمَّــة حين سكت الجميع.

وحين تُضرب إيران من القواعد الأمريكية الجاثمة على صدور دول الخليج، فبالله عليك هل يُنتظر منها الصمت؟ إن المنطق القرآني والسياسي يقول: "فَمَنِ اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ".

فإذا كانت أراضيكم منطلقًا للصواريخ الأمريكية لضرب العمق الإيراني، فلا تتباكوا على السيادة حين يأتيكم الرد الإيراني، فمن فتح داره للص ليدمّـر جاره، لا يحق له الحديث عن حسن الجوار.

من الذي فتح حُدودَهُ للمُهجَّرين ومَن فتح مَطاراتِهِ للمحتلّ؟

يتناسى هؤلاء المتباكون أن إيرانَ هي اليد الطولى التي امتدت للمقاومة الفلسطينية واللبنانية حين كانت العواصم العربية تتآمر في كامب ديفيد وأوسلو.

لولا الدعم الإيراني اللامحدود بالسلاح والتكنولوجيا والقرار، لكان كَيان الاحتلال الصهيوني اليوم يسرح ويمرح في بيروت وغزة دون رادع.

فبأي حقٍّ يُحاكم السند ويُبرأ الخاذل؟

ماذا حصل للذاكرة العربية المصابة بالحقد السياسي تنسى موقف إيران المبدئي خلال غزو العراق؛ فبينما كانت الطائرات الأمريكية تنطلق من مطارات الخليج لتمزيق بغداد، كانت إيران هي الوجهة والملاذ والرافض الأكبر لمشروع الشرق الأوسط الجديد.

وحتى في غزو الكويت، كانت إيران أول من أدان الغزوَ العراقي وفتحت حدودها للمهجرين، ورفضت سياسة التوسع والعدوان، في وقت كان فيه الأشقاء يتفرجون أَو يساومون.

هذا هو التاريخ الذي يحاولون طمسه بالافتراءات، مدعين أن إيران عدو، بينما العدوّ الحقيقي هو الصهيوني والأمريكي والذي يوجه بريموت كنترول السياسات الخليجية.

نِفاق المثقف الذي لا يستحي

من المضحك أن نرى طوابير المثقفين والصحفيين المستأجرين يتبارون في نقد إيران، متناسين أنهم يعيشون في ظل أنظمة متصهينة معدومة الضمير.

هؤلاء ليسوا مثقفين، بل هم أبواق تلمع وجه الاستكبار وتشرعن الخيانة.

يصمتون حين تُنتهك حرمات الأُمَّــة في القدس، ويخرسون أمام العربدة الأمريكية في البحار، ولكن حين ترد إيران بضرب القواعد الأمريكية في المنطقة، تقوم قيامتهم! إنهم لا يدافعون عن أوطانهم، بل يدافعون عن كفيلهم الذي يخشون زواله أكثر من خشيتهم من غضب الله.

حينما جعلت إيران من (هيبة أمريكا) أضحوكة..

فلماذا تبكـون؟

لقد وصلت الرسالة وسُدت الذرائع.

إن ما تقوم به إيران اليوم، وما يتحمله محور المقاومة من تضحيات، هو لمنع العذاب العام عن هذه الأُمَّــة.

لو صمت الجميع لعمّ البلاء، لكن الله استعمل هؤلاء الرجال الصادقين ليكونوا سدًا منيعًا أمام الصهيونية الجديدة.

الهجوم على إيران اليوم ليس لأنها فارسية كما يزعمون، بل لأنها إسلامية ترفض التبعية.

هم يحقدون عليها لأنها كشفت عوراتهم، وأثبتت للعالم أن أمريكا ما هي إلا قشه يمكن ضرب قواعدها وتمريغ أنفها في التراب.

إن القواعد الأمريكية في منطقتنا ليست فنادق، بل هي منصات عدوان، والتعامل معها كأهداف مشروعة هو قمة السيادة والرجولة.

فكفوا عن الكذب، وطهروا مزابلكم التي تسمونها ضمائر، قبل أن ينزل العذاب الذي لا يفرق بين الظالم والساكت عن الظلم.

لقد ولى زمن الصمت، وبدأ زمن الرد الذي سيعيد للأُمَّـة كرامتها المسلوبة.