من الصعب التعامُلُ مع خطاب “التحرير” الأمريكي بوصفه خطابًا جادًّا، حين يُقارن بسجل طويل من الحروب والتدخلات التي خلّفت دمارًا واسعًا وخسائر بشرية هائلة.. فالمسألة لم تعد اختلافًا في التفسير، بل تناقضًا صارخًا بين ما يُقال وما يحدث.
في هيروشيما وناغازاكي، لم يكن الأمرُ “تحريرًا”، بل استخدامًا مباشرًا لسلاح إبادة ضد مدن مأهولة.
وفي فيتنام، لم تكن الحرب دفاعًا عن الحرية، بل عملية عسكرية طويلة أزهقت أرواح ملايين البشر ودمّـرت بيئة كاملة.
هذه ليست قراءات منحازة، بل وقائع موثقة في التاريخ الحديث.
وفي العالم العربي، يتكرّر النمط ذاته.
في العراق، قادت أمريكا غزوًا أسقط الدولةَ وفتح الباب أمام سنوات من الفوضى والاقتتال.
في ليبيا، تدخلت عسكريًّا لإسقاط النظام، ثم تركت البلاد في حالة انهيار سياسي وأمني.
في اليمن، لم تكن طرفًا محايدًا، بل شريكًا في دعم عمليات عسكرية ساهمت في تعميق الكارثة الإنسانية.
وفي سوريا، أسهمت سياساتها —بشكل مباشر أَو غير مباشر— في تعقيد الصراع وإطالة أمده.
هذا السجل لا يترك مساحة كبيرة لتوصيف الدور الأمريكي كـ“دور إنساني”.
بل يشير بوضوح إلى سياسة تقوم على استخدام القوة لتحقيق أهداف استراتيجية، بغض النظر عن الكلفة البشرية.
الأكثر إثارة للانتباه ليس هذا السلوك بحد ذاته، بل الطريقة التي يُستقبل بها.
فهناك من يواصل تبرير هذه السياسات أَو التغاضي عنها، وكأن الضحايا مُجَـرّد أرقام، وكأن المعايير الأخلاقية تُطبّق انتقائيًّا.
في المقابل، يندفع آخرون إلى تبني مواقف مضادة بنفس الدرجة من التبسيط، فيحوّلون الصراع إلى معادلة مغلقة لا تقبل النقاش.
لكن الحقيقة الأقل راحة هي أن المشكلة لا تكمن فقط في الفاعل الدولي، بل أَيْـضًا في قابلية بعض المجتمعات لتصديق الخطاب أَو إعادة إنتاجه.
فالتصفيق للقوة، لمُجَـرّد أنها قوة، لا يغيّر من طبيعتها، بل يكشف خللًا في معايير التقييم.
الولايات المتحدة لا تتحَرّك بدافع “تحرير الشعوب”، بل وفق حسابات مصالح واضحة.
وهذا ليس استثناء في السياسة الدولية، بل هو القاعدة.
غير أن الاستمرار في تسويق هذا السلوك بغطاء أخلاقي، أَو القبول به دون مساءلة، هو ما يمنحه شرعية لا يستحقها.
في النهاية، لا يحتاج هذا الواقع إلى تبرير، بل إلى تسمية واضحة: ما يُقدَّم بوصفه “تحريرًا” هو في كثير من الحالات ممارسة مباشرة للقوة، تُقاس نتائجها بعدد الضحايا، لا بعدد الشعارات.