يأتي العدوان الأمريكي الصهيوني الأخير على إيران ليشعل فتيل مرحلة جديدة، لا تبدو فيها واشنطن هي القوة المهيمنة التي تملك زمام الأمور، إنما تظهر كإمبراطورية غارقة في مقامراتها الفاشلة.
إن اشتعال هذه المواجهة هو "فرصة تاريخية" لا تعوض لدول المنطقة برمتها؛ فرصة لتمزيق قيود الوصاية الأمريكية والتحرّر من عبء القواعد العسكرية التي لم تكن يومًا صمام أمان، بل كانت خنجرًا مسمومًا في خاصرة السيادة العربية والإسلامية.
إن الواقع المرير الذي يجب أن تعقله الأنظمة -إن كانت تبحث حقًا عن مصلحة شعوبها- هو أن أمريكا التي عجزت عن حماية بوارجها وقواعدها من ضربات محور المقاومة، لن تكون قادرة على حماية عروش أَو دول ارتمت في أحضانها.
لقد أثبت التاريخ القريب والبعيد أن التواجد الأمريكي أينما حَـلّ، حَـلّ معه الخراب والدمار والفتن؛ فواشنطن لا تقدم "الأمن" بالمجان، بل تبيعه كبضاعة وهمية مقابل نهب الثروات، واستنزاف الميزانيات في صفقات سلاح خاسرة، وتحويل الأوطان إلى ساحات لتصفية الحسابات وجمع المعلومات لصالح كَيان الاحتلال الصهيوني.
اليوم، تبدو "القشة" الأمريكية أوهن من أي وقت مضى، والرهان عليها هو رهان على سراب يتبخر عند أول اختبار حقيقي.
إن خروج القواعد الأمريكية من المنطقة ضرورة وجودية أكثر من كونه مطلبًا أخلاقيًّا؛ فبقاء هذه القواعد يعني بقاء المنطقة تحت رحمة "المزاجية الإجرامية" لواشنطن وكَيان الاحتلال، ويعني استمرار استنزاف خيرات الشعوب لتمويل آلة القتل التي تستهدفهم.
إنها اللحظة المناسبة لتغيير المسار، والالتفات نحو بناء منظومة أمنية إقليمية مستقلة تنبع من مصلحة أبناء الأرض، بعيدًا عن الإملاءات التي جعلت من بعض الدول مُجَـرّد "حصون حماية" للمشروع الصهيوني.
إن الحرب التي أشعلها المعتوه ترمب ونتنياهو قد تكون هي البوابة التي تخرُجُ منها أمريكا من المنطقة صاغرةً.
فإذا كانت الأنظمة تمتلك الشجاعة والحد الأدنى من الوعي، فعليها أن تدركَ أن الرياحَ تهب اليوم لصالح الشعوب الطامحة للحرية، وأن البقاءَ في المركب الأمريكي الغارق لن يورثَها إلا الغرق معه.
لقد حان الوقتُ لتطهير الأرض من دنس القواعد، واستعادة القرار السيادي، فالفرص التاريخية لا تطرقُ الأبواب مرتين، ومن يُضِعْ فرصةَ الخلاص اليوم، سيظل حبيسًا للوصاية والنهب لسنوات طويلة قادمة.