إن تصدّر خبر الصاروخ اليمني الذي استهدف كيان الاحتلال عناوين الأخبار ليس مُجَـرّد حدث عابر في سياق الصراع، بل هو لحظة مفصلية تحمل في طياتها دلالات استراتيجية عميقة تتجاوز بكثير الأثر المادي المباشر لأي عملية عسكرية؛ فالقيمة الحقيقية لهذا الخبر لا تكمُنُ في حجم الدمار الذي أحدثه فحسب، إنما في الرسالة التي أطلقها، والتي تفيد بأن معادلات القوة في المنطقة قد أُعيدت صياغتها على يد جهات فاعلة جديدة تمتلك من الإرادَة والقدرات ما يمكنها من قلب الطاولة في وجه المشروع الصهيو-أمريكي.

إن البرنامجَ الصاروخي وسلاح المسيّرات اليمني لم يعد مُجَـرّد قوة محلية تتصدى للعدوان، بل تحول إلى أدَاة ضغط استراتيجية على المستويين الإقليمي والدولي؛ فالقدرة على ضرب أعماق كَيان الاحتلال الغاصب بصواريخ باليستية وطائرات مسيّرة تصلُ إلى آلاف الكيلومترات -بعد أن فشلت كُـلّ أنظمة الدفاع الجوي المتطورة في اعتراضها- تمثل تحولًا نوعيًّا يربك حسابات الأعداء والحلفاء على حَــدٍّ سواء.

الأهم من ذلك هو ما تلمِّحُ إليه هذه الضرباتُ من إمْكَانية ماثلة للسيطرة على واحدة من أكثر الممرات المائية حساسية في العالم، وهو مضيق "باب المندب"؛ فالقدرة على إغلاق هذا الممر الحيوي، أَو حتى التهديد المُستمرّ بذلك، تمثل سلاحًا فعالًا لا يضغط فقط على الاقتصاد الإسرائيلي الذي يعاني أصلًا من تبعات الحرب، بل إنه يصيب العصب الأكثر حساسية في الجسد الغربي وفي قلب الإدارة الأمريكية، التي ترى في حرية الملاحة خطًّا أحمر لا يمكن تجاوزه.

هذا الضغطُ المتعددُ الأوجُهُ يضعُ الإدارةَ الأمريكية، بقيادة شخصية تُعرف بنزقها وتقلبها، في مأزق حقيقي، وهنا تبرز تصريحات "البلطجي الأمريكي" الأخيرة التي جاءت كخليط من التبريرات الهشة للحرب المُستمرّة، حَيثُ يحاول في خطابه المتلفز أن يبيع لجمهوره الداخلي والعالم صورة انتصارات وإنجازات وهمية، متناسيًا أَو متجاهلًا فشله الذريع في تحقيق الهدف الأكبر الذي أعلنته إدارته صراحة وهو "تغيير النظام في إيران".

إن هذا التناقض بين سردية النجاحات السطحية والفشل في تحقيق الأهداف الجوهرية، إضافة إلى العجز الواضح في التعامل مع مِلف مضيق هرمز والنفوذ الإيراني، وفشل الدفاعات الأمريكية والصهيونية في التصدي لضربات محور المقاومة، يكشف عن حالة من التأزم والارتباك في صناعة القرار الأمريكي.

وهذا التأزم يظهر جليًّا في المواعيد المتغيرة باستمرار، والتهديدات المتبدلة، والهذيان اليومي الذي يصف فيه إيران بأنها "تتوسل" للوصول إلى اتّفاق، في تناقض صارخ مع الوقائع التي تؤكّـد أن طهران تتحَرّك من موقع قوة وثبات.

والمعضلة الحقيقية تكمن في أن التعامل مع شخصية ذات نزعة "بلطجية" وغطرسة واضحة يصبح أكثر جنونًا وتهورًا كلما اشتدت عليها مؤشرات الفشل والإحباط، وما نشهده راهنًا من تصعيد ليس إلا انعكاسًا لهذا الإحباط الممزوج بخوف كامن من ضغوط اللوبي الصهيوني وحلفائه الإنجيليين داخل البيت الأبيض.

لكن هذا الجنون المتصاعد لن يكون محطة نجاح لهم، بل تؤكّـد كُـلّ المؤشرات أن الاستمرار في هذا النهج سيؤدي إلى مزيد من الفشل والهزيمة المدوية؛ فالحقيقة الأكبر تبقى ثابتة: أحلام نتنياهو بتصفية القضية الفلسطينية وفرض "صهينة المنطقة" هي أوهام ستتبدد، والصاروخ اليمني هو الدليل الملموس على أن معادلة الردع قد تغيرت للأبد، وأن النصرَ حليفُ المؤمنين.