حين تتحول السلطة إلى مسؤولية لا إلى امتيَاز،

وتصبح الدولة درعًا للناس لا سيفًا على رقابهم،

فإن الأُمَّــة تدخل مرحلة مختلفة من البناء والاستقرار.

في هذا المعنى العميق، يضع السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي، يحفظه الله، جوهر الرؤية القرآنية للحكم من خلال استحضار وصية الإمام علي بن أبي طالب لابنه الإمام الحسن بن علي عليهما السلام،

عندما قال لابنه:

(لَيْسَ كُـلّ مَنْ رَمَى أَصَابَ، إذَا تَغَيَّرَ السُّلْطَانُ تَغَيَّرَ الزَّمَانُ).

في شرح الوصية يقول السيد القائد، يحفظه الله:

إذا تحَرّك السلطان ووظَّف طاقات الأُمَّــة، وسعى إلى حماية المجتمع من التظالُم داخلَه، والظلم من أعدائه، فسيصلح واقعُ الناس وتستقر حياتهم.

إذن لا تُقاس قوةُ السلطان بحجم نفوذه، وإنما بقدرته على توظيف طاقات الأُمَّــة في حماية الإنسان وصيانة العدالة.

إن أخطر ما يهدّد أيَّ مجتمع ليس الفقر وحده، ولا الحصار وحده، بقدر ما هو انهيار ميزان العدل داخله.

فحين يُترك الناس فريسة للتظالم، ويتحول القوي إلى خصم للضعيف، وتغيب هيبة القانون، يبدأ التآكل الحقيقي للدولة مهما امتلكت من المال أَو السلاح.

أما حين يتحَرَّكُ السلطانُ لحمايةِ المجتمع من الظلم الداخلي، فإنه يحمي روحَ الأُمَّــة نفسِها.

وفي المقابل، فإنَّ الأُمَّــةَ التي لا تمتلِكُ قيادةً تدافِعُ عنها أمام أعدائها الخارجيين، تصبح مستباحةَ الإرادَة والقرار والسيادة.

فالعدوانُ الخارجيُّ لا ينجحُ إلا في غِيابِ العدل الداخلي؛ لأنَّ الاحتلالَ والهيمنةَ والحصارَ لها أدواتٌ سياسية ووسائلُ لإخضاع الشعوب من الداخل، وكسر كرامتهم وتجريدهم من حقوقهم وحريتهم؛ ولذا فإن أخطر ما يركِّز عليه الأعداء خلخلةُ الداخل عبر وسائل ناعمة ومنظمة.

ومن هُنا تأتي أهميّةُ أن يكونَ السلطانُ أَو المسؤولُ يقظًا في مواجهة الأعداء، حارسًا لاستقلال الأُمَّــة، لا بوابة لعبور مشاريع الهيمنة إليها.

الوصيةُ قدمت معادلةً متكاملةً لبناء الاستقرار، وهي:

عدلٌ في الداخل، وقوةٌ في مواجهة الخارج.

فإذا اختل أحدُهما، اختل توازُنُ المجتمع كله.

فلا يمكن الحديثُ عن إصلاح حقيقي في ظل فساد ينهش الداخل،

ولا يمكن الحديث عن استقرار دائم في ظل تهديد خارجي مُستمرّ.

ولهذا فإن القيادةَ التي توظِّف طاقات الأُمَّــة في البناء والحماية معًا، تخلق حالةً من الثقة الشعبيّة والانتماء الديني والوطني؛ لأَنَّ الناسَ بطبيعتهم يلتفُّون حولَ من يحفظ كرامتَهم ويصونُ دينَهم وحقوقهم ويدافع عن وجودهم.

إذن من أعظم الاستثمار لبناء دولة قوية هو استثمارُها في الإنسان؛

في أمنه، وعدالته، وكرامته، ووعيه، وشعوره بأن هناك سُلطةً تحرُسُه لا تظلمه.

عندما يشعُرُ المواطنُ أن الدولةَ تقفُ معه ضدَّ الفساد والعدوان معًا، فإنه يتحوَّلُ من فردٍ خائفٍ إلى شريكٍ في معركة البناء والصمود.

ولهذا يوضح لنا السيدُ القائدُ، يحفظُه الله، رؤيةَ وحكمةَ وعدالةَ الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام أن

الحُكم لا يمكنُ أن يكونَ أدَاةَ سيطرة، بقدر ما هو رسالة أخلاقية ومسؤولية حضارية، تقوم على إقامة العدل ومنع التظالم وحماية الأُمَّــة من الطغيان الخارجي والتظالم الداخلي.

وهي الرؤية التي لا تزالُ حتى اليوم تمثِّلُ معيارًا حقيقيًّا لنجاح أية سلطة أَو دولة أَو حكم حينها يكون الناس فيها أكثر أمنًا، وأكثر كرامة، وأكثر استقرارًا بوجودها، لا العكس.