لم تعد مواجهة القوى الحرة للهيمنة الأمريكية تدور حول سيطرة جغرافية أَو امتلاك ترسانة صواريخ تتفوق بها على العدوّ، فقد أصبحت المواجهة تدور حول ما هو أكثر عمقًا وخطورة من ذلك، وهو السيطرة على لغة المال التي يتحدث بها العالم، والتحكم في الأنابيب غير المرئية التي تنساب عبرها ثروات الأمم ومدفوعات الطاقة والتجارة.
لقد صعدت أمريكا إلى عرشها العالمي لا لأنها خرجت من الحرب العالمية الثانية بأقل الخسائر، ولا لأنها امتلكت القنبلة النووية، إنما لأنها أمسكت بنظام النقد العالمي وأجبرت الكوكب بأسره على التعامل بعملتها، وجعلت شراء النفط مرهونًا بتكديس الدولار، وحوّلت نظام سويفت إلى بوابة إلزامية ترى كُـلَّ صفقة بعين أمريكية فتسمح لهذا وتحرم ذاك.
وهذا هو مصدر القوة الذي يجب أن توجّـه إليه القوى الحرة ضرباتها الاستراتيجية، حَيثُ الشرايين الخفية التي تضخ الحياة المالية في جسد هذه الإمبراطورية.
إن قوتنا الحقيقية لا تكمن فقط في صواريخنا ومسيّراتنا، إنما في أننا نمتلك المفاتيح الجغرافية للطاقة العالمية والتجارة الدولية.
نحن من نسيطر على شواطئ الممرَّات البحرية المهمة بدأ بمضيق هرمز والذي يعبر منه ربع نفط العالم، إلى باب المندب الرابط بين المحيط الهندي والبحر المتوسط، وُصُـولًا إلى قناة السويس.
نحن من يملك القدرة على التأثير في ممرات الطاقة التي تتدفق منها الحياة إلى مصانع آسيا واقتصاداتها العملاقة.
لذا فإن إغلاق هذه الممرات لن يشكل تهديدًا لأمريكا، إن التهديد الحقيقي الذي يزلزل أركان هذه الإمبراطورية هو تغيير العملة التي يُشترى بها النفط العابر فيها.
إن إجبار السوق الآسيوي المتعطش للطاقة على شراء احتياجاته بعملة قومية بدلًا من الدولار، أَو بسلة عملات بديلة، ستكون هي الطعنة القاتلة التي ستسلب الدولارَ قيمتَه النقديةَ دفعةً واحدةً وتجرده من قداسته.
وهنا بالذات يجبُ أن تنتقلَ القوى الحرة في تصدّيها للهيمنة الأمريكية في المنطقة من موقع القوة العسكرية الدفاعية إلى موقع القوة المالية الهجومية، عبر عقد اتّفاقيات تسعيرٍ نفطي ثنائية وجماعية بالعملات المحلية مع أكبر المستهلكين في آسيا، وعلى رأسهم الصين والهند، وتأسيس بورصات نفط إقليمية تحرّر الخامَ من قيد الورقة الخضراء.
وهذه لن تكونَ فقط مُجَـرّد صفقات تجارية، ستصبح صواريخ استراتيجية من نوع آخر، تخترق قلب المنظومة المالية التي صنعت الهيمنة.
إن الأموال المحتجَزة والودائع المجمَّدة في البنوك الغربية هي درسٌ لا ينبغي أن يتكرّر، والمئات من مليارات الدولارات التي صادرتها واشنطن وحلفاؤها من روسيا وإيران وفنزويلا ودول أُخرى هي جرس إنذار بأن الأصول المحتفظ بها في ولايات قضائية غربية ليست سوى قروض مرهونة بإرادَة سياسية قابلة للانقلاب في أية لحظة.
ولأن الملايينَ من البشر في العالم النامي لا يفهمون لماذا هم فقراء رغم أن بلادهم تفيض بالنفط والغاز والمعادن، ولا يعرفون كيف يعمل نظام البترودولار الذي ينهبُ ثرواتِهم عبر التضخم المصدّر والدورات الاقتصادية المسيطر عليها، يتوجب على القوى الحرة في المواجهة للهيمنة الأمريكية أن تطلق المِنصات الإعلامية العالمية المتعددة اللغات، لتشرح للعالم أجمع حقيقة هذه المعركة الصامتة الدائرة، ليس بلغة المنشورات الأكاديمية بل بلغة يفهمها المواطن العادي في طهران وصنعاء وبيروت وكراتشي ولاجوس وكراكاس وكل مكان من هذا العالم.
فمواجهتها للفقر والبطالة تبدأ من تلك الغرفة الهادئة، حَيثُ تسعّر عقود النفط، ومن تلك الشاشة الصامتة، حَيثُ تمر مدفوعات الحاويات العابرة للقارات.
الحقيقة أن هذه المعركة ليست معركة بين دول، بل هي معركة بين نظامين: نظام الاستعباد المالي الذي يتغذى على فقر الأمم وقهرها، ونظام التعددية والسيادة النقدية.
فحين تنضج هذه الأركان وتترابط، وحين يستفيق العالم ذات صباح ليجد أن النفط لا يزال يتدفق من هرمز ولكن بعملاتنا القومية، وأن البضائع لا تزال تعبر من باب المندب وملقا ولكن بمدفوعات رقمية لا تمر بواشنطن، سيسقط عرش هذه الإمبراطورية لا بفعل صاروخ أطلقناه، بل بفعل عالم جديد بنيناه بصبر وإرادَة.
هناك، في ذلك المشهد الهادئ، حَيثُ لا دخان يتصاعد سوى من مداخن المصانع، ولا ضجيج يسمع سوى همس الأمواج وأزيز القطارات العابرة للصحارى، حَيثُ يكتمل النصر الذي وعدنا به، حَيثُ نكتب بأيدينا شهادة ميلاد عالم آخر.