في قراءة سريعة لبيان السيد القائد مساء أمس، نلاحظ أن التقديم للبيان قال: "بيان السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي يحفظه الله بشأن الإساءات المتكررة إلى القرآن الكريم والمقدسات الإسلامية من قبل اليهود وحركتهم الصهيونية وأذرعها". وحين يكون الحديث عن أن هذه الجريمة أقدمت عليها "الحركة الصهيونية وأذرعها"، فإنه للتأكيد -من قِبَل السيد القائد- أن الاستهداف ليس لمجرد الإحراق للمصحف أو استفزاز أمة الإسلام فقط، وإنما العمل على التصغير من شأن هذا الهدى الرباني العظيم، لتغييب أثره، ليس في نفوس المسلمين فقط، بل في نفوس العالمين، لأن اليهود يعلمون جيدا أنّ: "ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للعالمين" كما وصفه الله تعالى في مطلع سورة البقرة، التي فضح فيها كثيراً من جرائم اليهود ومعاصيهم، وكثرة جدالهم في الباطل حتى أنهم جادلوا الله ذاته.
السيد القائد -بعد الاستشهاد بآيتين من سورة "فصلت"- بدأ الفقرة الأولى من البيان بتوصيف جريمة الإساءة للقرآن الكريم، واللافت أنه ربطها مباشرة بملفات إبستين، إذ قال السيد عبدالملك: "... ويشكل خطورة بالغة على المجتمع البشري بكله، كما كشفت عن ذلك وثائق المجرم اليهودي الصهيوني [جيفري إبستين]، وما جرى فيما يسمُّونه بـــ [جزيرة الشيطان]، من أنشطة وطقوس إجرامية رهيبة، وفظيعة للغاية، شملت: شرب دماء الأطفال، وأكل أحشائهم، وإزهاق أرواحهم بطريقة وحشية، في طقوس شيطانية، وارتكاب أبشع جرائم الاغتصاب، وأقبح الممارسات القبيحة..". التذكير المستمر من قبل السيد القائد لنا بجرائم "جزيرة الشيطان" يدفعنا إلى سؤال: لماذا لم نسمع عن المطالبة بإجراء تحقيق دولي مستقل وصارم في جرائم شبكة جيفري إبستين العابرة للحدود؟ وهو تساؤل يمس "مباشرةً" الفجوة القائمة بين: القوانين الوضعية والمصالح السياسية للنخب من جهة، وبين المبادئ الأخلاقية والربانية السامية التي جاء بها القرآن الكريم لحماية كرامة الإنسان وتطهير المجتمعات من جهة أخرى.
ورغم أن خبراء ومقررين مستقلين تسرّبوا من لجان الأمم المتحدة (مثل المقررة الخاصة المعنية بالاتجار بالبشر سيوبان مولالي، والمقررة ريم السالم) قد صرحوا علناً في مطلع هذا العام (2026) بأن الممارسات الموثقة في ملايين الصفحات التي أفرجت عنها وزارة العدل الأمريكية تلتقي في بشاعتها مع توصيف "الجرائم ضد الإنسانية" و"الاستعباد الجنسي المنظم"، إلا أن هذا الملف يواجه ممانعة شرسة من قبل اللوبي الصهيوني تمنع تحويله إلى تحقيق دولي جنائي فاعل. ويمكن تلخيص أسباب غياب هذا التحقيق الدولي ومقارنتها بالمنظور القرآني من خلال محورين رئيسيين وردا في وسائل الإعلام الأمريكية:
أولاً: الأسباب السياسية و"القانونية" لتعطيل التحقيق الدولي
1. استغلال الفيتو: بموجب القانون الدولي، لا يمكن لـ "المحكمة الجنائية الدولية" فتح تحقيق تلقائي في جرائم وقعت داخل أراضي دولة ذات سيادة ما لم تكن تلك الدولة موقعة على "ميثاق روما"، أو بقرار من مجلس الأمن. ونظراً لأن الولايات المتحدة و"إسرائيل" ليستا طرفاً في المحكمة، فإن أي محاولة لتشكيل لجنة تحقيق دولية ملزمة ستواجه فوراً بحق النقض (الفيتو) الأمريكي في مجلس الأمن لحماية مؤسساتها وشخصياتها النافذة المتورطة في جرائم إبيستين.
2. شخصية الجريمة مقابل الهيكلية المؤسسية: يُصر القضاء الفيدرالي الأمريكي على التعامل مع القضية كـ "قضية جنائية محلية تخص أفراداً (إبستين، وغيسلين ماكسويل) انتهت بوفاة الجاني الرئيسي أو بصدور أحكام فردية". هذا التوصيف من القضاء الأمريكي يمنع تدويل الملف كشبكة ابتزاز سياسي واستخباراتي عابرة للقارات، ما يطمس معالم الأطراف الدولية المتورطة وهي الذراع الصهيونية والنخب الغربية والعملاء الموزَّعين في أرجاء العالم.
3. مقاومة النخب وثقافة الإفلات من العقاب: تداخُل مصالح كبار السياسيين، ورجال المال، والأكاديميين، والدبلوماسيين في الغرب يخلق "حصانة طبقية". النشر الأخير للوثائق تحت ضغط "قانون الشفافية لعام 2025" شُطِبت منه بعض الأسماء النافذة المتورطة، ما عرّض الضحايا للخطر بدلاً من ملاحقة الجناة الحقيقيين، وهو ما وصفته تقارير الأمم المتحدة الأخيرة بأنه "فشل ذريع وتواطؤ مؤسسي لحماية الأقوياء".
ثانياً: أبعاد القضية من منظور القيم الإنسانية في القرآن الكريم
حين يربط السيد عبدالملك جرائم الإساءة للقرآن الكريم بملفات الكافر إبيستين، فإنه يضع هذه الملفات والجرائم على ميزان الوحي والقرآن الكريم، ليوضح لنا -سماحتُه- حجم الانحدار الأخلاقي الذي تمثله هذه الشبكات ومحاولات التغطية عليها. فالقرآن يُحرِّم استعباد البشر والمتاجرة بالأعراض، بينما تقوم شبكة إبستين بالأساس على الاتجار بالقاصرات واستغلال الفئات المستضعفة والمتاجرة بأجسادهن وأعراضهن. وقد جاء القرآن الكريم حاسماً وصارماً في تحريم البغاء، والاستغلال، وإكراه الفتيات، محذراً المجتمعات من خطورة السكوت عن هذا الإجرام: {وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِّتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [النور: 33].
والقرآن الكريم يأمرنا بمحاربة الفساد في الأرض، كونها أعلى درجات الجريمة، فهو لا ينظر إلى هذه الطقوس والأنشطة الإجرامية كـ"انحرافات سلوكية فردية"، بل يصنفها ضمن دائرة "الإفساد في الأرض"، و"هتك العِرض والنفس والنسل". في حين تمارس هذه النخب المجرمة العلوَّ والاستكبار، وتستغل نفوذها لانتهاك الطفولة والإنسانية، وهي -بهذا الفعل الإجرامي- تماثل في المنظور القرآني نموذج فرعون وملئه:{إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ ۚ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ}.
وأخيراً فإن هذا الكتاب العزيز يثبِّت معيار العدالة المطلقة ويرفض الحصانة للنخب، ففي المنظور القرآني لا توجد حصانة لغني، أو صاحب سلطة، أو نفوذ سياسي. العدالة القرآنية تتطلب إقامة القسط حتى لو طال الأمر القيادات العليا أو الأقربين، وهو ما يفسر لماذا يثور الضمير الإنساني اليوم ضد ترك هذه الملفات دون محاسبة، قال تعالى في سورة النساء: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ ۚ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا}.
ختاماً تقول إن هذه الملفات تُترَك دون تحقيق دولي لأن المنظومة الدولية الحالية محكومة بـ"موازين القوى" وليس بـ"موازين القيم". وبينما يسعى "القانون الدولي الوضعي" إلى مواءمة مصالح الدول الكبرى وتجنيب نخبها الفضيحة والمحاكمة، يقدم القرآن الكريم رؤية أخلاقية وتشريعية جذرية ترى في هذه الأنشطة عدواناً على الفطرة الإنسانية، وتوجب ملاحقة مرتكبيها مهما بلغت ثرواتهم أو نفوذهم، وتعتبر التستر عليهم شكلاً من أشكال الشراكة في الإثم والعدوان. ولهذا شدد السيد القائد عبدالملك بدر الدين الحوثي على أنَّ "الخطر كلّ الخطر، هو في التفريط، والتهاون، وإتاحة المجال للأعداء لتنفيذ مخططاتهم الشيطانية العدوانية، التي يعلنون عنها، ويعبِّرون عن مستوى عدائهم لهذه الأمة بكل صراحة، ويتحرَّكون عملياً لاستهدافها، واستهداف مقدَّساتها، وأقدس مقدَّساتها وهو القرآن الكريم، فإذا لم تتحرَّك الأمة مع كل ذلك؛ فهذا من أكبر ما يُطمع الأعداء فيها، إضافةً إلى الوقوع في العقوبة الإلهية".
وقد دعانا السيد القائد "إلى التَّحرك في المظاهرات والوقفات نصرةً للقرآن الكريم.."، لكي لا نُطمع الأعداء فينا ولا نكون مشمولين بالعقوبة الإلهية.