تناول الشهيد القائد حسين بدرالدين الحوثي -رضوان الله عليه- في دروس رمضان قولَه تعالى:
{فَإِمَّا يَأۡتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدٗى فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشۡقَىٰ * وَمَنۡ أَعۡرَضَ عَن ذِكۡرِي فَإِنَّ لَهُۥ مَعِيشَةٗ ضَنكٗا وَنَحۡشُرُهُۥ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ أَعۡمَىٰ * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرۡتَنِيٓ أَعۡمَىٰ وَقَدۡ كُنتُ بَصِيرٗا * قَالَ كَذَٰلِكَ أَتَتۡكَ ءَايَٰتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَٰلِكَ ٱلۡيَوۡمَ تُنسَىٰ}، لبيان معنى الهداية من خلال النقاط الآتية:
أولًا: أن أعظم نعمة أنعم الله بها على البشرية هي نعمة الهداية، فعليها يترتب صلاح الإنسان وفلاحه وفوزه ونجاته في الدنيا والآخرة:
{فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشۡقَىٰ}.
ثانيًا: أن مصدر الهداية الوحيد هو الله سبحانه وتعالى، ولذلك قال في الآية السابقة: {مِّنِّي هُدٗى} وَأَضَـافَ الهدى إلى نفسه تبارك وتعالى فقال: {فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَايَ}، وقال في آية أُخرى: {وَإِنَّ عَلَيۡنَا لَلۡهُدَىٰ}، فالهدى هو من الله وعلى الله، وليس على أحد سواه.
ثالثًا: أن الهدى لا ينزل فجأة، ولا يُفرض على الناس بالقوة، وإنما يتمثل في توجيهات إيجابية من الله: {ٱسۡجُدُواْ لِـَٔادَمَ}، وتوجيهات سلبية: {وَلَا تَقۡرَبَا هَٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ}، وقد اشتمل عليها القرآن الكريم كله، ونتائج الهداية تظهر في نفسيات الناس وسلوكهم وتصرفاتهم ومواقفهم، بأن تكون حكيمة ومطابقة لما تقتضيه الفطرة السليمة التي فطر الله الناس عليها:
{إِنَّ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ يَهۡدِي لِلَّتِي هِيَ أَقۡوَمُ}.
رابعًا: أن مهمة الناس في مجال الهداية هي مهمة اتِّباع هدى الله:
{فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَايَ}، وليس الاجتهاد والتنظير، أَو استعراض قول فلان وقول فلان، أَو رأي هذا المذهب وذاك المذهب، فمهمة البشرية كافة هي الاتباع بنص الآية.
خامسًا: أن الله سبحانه وتعالى قد بيّن الهدى على أرقى مستوى، وقدمه للناس في القرآن الكريم بأدق عبارة وأوضح صورة، فحينما قال للملائكة: {ٱسۡجُدُواْ لِـَٔادَمَ}، وحينما قال لآدم وزوجته: {وَلَا تَقۡرَبَا هَٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ}، لم يكن هناك تقصير من جهة الله في بيان التوجيه، فالتوجيهات واضحة ومحدّدة، ولم يكن هناك أي مبرّر -سواء لإبليس أَو لآدم وزوجته- في الوقوع في المعصية كما يقول بعض المفسرين، وما حدث لآدم وزوجته هو نسيان مقتضى الإيمان بالغيب، وتشكيك إبليس لهما بالنتائج المترتبة على مخالفة التوجيه.
سادسًا: من عظمة هدى الله أنه يبين للإنسان نتائج الالتزام بالتوجيه أَو مخالفته قبل تنفيذه:
{فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشۡقَىٰ وَمَنۡ أَعۡرَضَ عَن ذِكۡرِي فَإِنَّ لَهُۥ مَعِيشَةٗ ضَنكٗا وَنَحۡشُرُهُۥ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ أَعۡمَىٰ}.
سابعًا: أن من يبتعدون عن هدى الله يختلقون لهم دائمًا ذرائع ومبرّرات ومقولات باطلة لتبرير مخالفتهم ومعصيتهم لتوجيهات الله سبحانه وتعالى:
{خَلَقۡتَنِي مِن نَّارٖ وَخَلَقۡتَهُۥ مِن طِينٖ}.
ثامنًا: أن الإنسان إذَا لم يسر في طريق الهداية من البداية، ولم ينفذ تعاليم الله من أول لحظة، فـ لا يتوقع أن تأتي مرحلة يهتدي فيها، أَو سيأتي شخص يهتدي على يديه، فكثرة الذنوب والمعاصي تؤدي إلى قسوة القلوب:
{أَفَكُلَّمَا جَآءَكُمۡ رَسُولُۢ بِمَا لَا تَهۡوَىٰٓ أنفسكُمُ ٱسۡتَكۡبَرۡتُمۡ فَفَرِيقٗا كَذَّبۡتُمۡ وَفَرِيقٗا تَقۡتُلُونَ}.
تاسعًا: أن الإنسان في سبيل هدايته يحتاج إلى التأمل والاستفادة من كُـلّ شيء من مخلوقات الله، سواء البعوض أَو الذبابة أَو النملة أَو النحلة وغيرها، فالنملة ذكّرت سليمان -عليه السلام- بنعمة الله عليه، وعدله الذي باتت تعرفه النملة:
{فَقَالَتۡ نَمۡلَةٞ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّمۡلُ ٱدۡخُلُواْ مَسَٰكِنَكُمۡ لَا يَحۡطِمَنَّكُمۡ سُلَيۡمَٰنُ وَجُنُودُهُۥ وَهُمۡ لَا يَشۡعُرُونَ * فَتَبَسَّمَ ضَاحِكٗا مِّن قَوۡلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوۡزِعۡنِيٓ أَنۡ أَشۡكُرَ نِعۡمَتَكَ ٱلَّتِيٓ أَنۡعَمۡتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَٰلِدَيَّ وَأَنۡ أَعۡمَلَ صَٰلِحٗا تَرۡضَىٰهُ}.
عاشرًا: أن أفضل أُسلُـوب في مجال الدعوة إلى الله هو أُسلُـوب القرآن الكريم نفسه؛ لأن من أنزله هو الله الذي خلق الإنسان ويعلم ما توسوس به نفسه:
{أَلَا يَعۡلَمُ مَنۡ خَلَقَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلۡخَبِيرُ}.
وقد ذكر الشهيد القائد -رضوان الله عليه- في دروس رمضان الكثير من الطرق والمناهج والأساليب التي وردت في القرآن الكريم، والتي استعملها خاتمُ الأنبياء والمرسلين محمد -صلوات الله عليه وعلى آله- في دعوة مختلف فئات المجتمع إلى رَبِّ العالمين، وهاجم أُسلُـوبَ الفلاسفة والمتكلِّمين، والخطباء والمرشدين التقليديين.
* أمين عام مجلس الشورى