يوم الولاية في "خُم" كان التتويج الإلهي الأعظم لرسالة السماء، والميثاق الغليظ الذي أرسى قواعدَ الاستخلاف الإلهي في الأرض.
لقد كان يومًا فاصلًا، تجسَّدت فيه الحكمةُ الربانيةُ في حِماية الأُمَّــة من التِّيه والشتات، مصداقًا لقوله تعالى: "يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ۖ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ".
إن الولايةَ التي أعلنها المصطفى، سلامُ الله عليه وعلى آله، كانت ضرورةً وجوديةً، وعصمةً للمسيرة الإيمانية من الانحراف عن موازين الحق والهدى، ولم تكن خيارًا بشريًّا أَو اجتهادًا سياسيًّا.
في واقعنا الراهن، ندرك يقينًا أن الولاية هي المنهج الاستراتيجي القادر على تحصين الأُمَّــة من الاختراق الفكري والسياسي، ومن مشاريع التبعية التي تهدف إلى إخضاع الشعوب الحرة.
إن جوهرَ الولاية هو التسليم المطلق للقيادة الربانية التي تتحَرَّكُ وفقَ الرؤية القرآنية، وتستمدُّ قوتَها من الارتباط الوثيق بالمنبع الصافي، وهو ما نراه اليوم يتجسَّدُ في مسيرتنا المباركة التي واجهت قوى الاستكبار العالمي بصلابة الإيمان وبصيرة الولاية.
يا دهرُ كم في "خُم" من أسرارِنا
عهدُ "الوصيِّ" ضياءُ كُـلّ زمانِ
قد سار فينا النهجُ نهجَ محمدًا
نورًا يُحطِّمُ ذلةَ الطغيانِ
إن تحليلَ المشهد السياسي المعاصر، وما يحملُه من تقلبات وتحالفات، يؤكّـدُ أن الخللَ البنيويَّ في واقع الأُمَّــة ينبعُ من غياب المبدأ الولائي الراسخ الذي يضبط البوصلة نحو المصلحة العليا للإسلام.
والولايةُ هي الضمانةُ الأكيدةُ لعدم الانحراف، والبُوصلة التي تحمي المسيرةَ من التمزُّق؛ فهي التي تربطُ الفردَ والمجتمعَ بمصدر القوة الإلهية، وتجعلُ من الصمود ثقافةً ومن الانتصار غايةً حتمية.
إننا حين نتمسَّكُ بمبدأ الولاية، فإننا نتمسَّكُ بالهُوية الإيمانية التي لا تقبَلُ الضيمَ، ولا تقبل بأن تكون مُجَـرّد رقمٍ في معادلات القوى الإقليمية والدولية.
الغدير اليوم هو النور الذي يُبدِّدُ ظلامَ التضليل الذي يمارسُه أعداءُ الأُمَّــة، وهو المحرِّكُ الذي يدفعُنا نحو الاستقلال الحقيقي في القرار والموقف.
إن المسيرةَ التي نخوضُها اليومَ في مقارعةِ الطغاة هي الامتداد الطبيعي والعملي لبيعةِ الغدير، وهي الاستجابةُ الصادقةُ لنداء الحق الذي أطلقه الرسولُ الأكرم، سلام الله عليه وعلى آله، في ذلك اليوم المشهود.
لقد أثبتت التجربةُ أن الارتباطَ بالولاية هو سِرُّ قوتنا، ومفتاحُ عزتنا، وسبيلُنا الوحيدُ لتحقيق الاستخلاف الموعود.
إن الغديرَ هو حاضرٌ مُتجدد، ونهجٌ حيٌّ، وعهدٌ نُجدِّدُه كُـلَّ يوم في ميادين العزة والكرامة، لنبقى أوفياء للرسالة، متمسكين بالعصمة، ومنتصرين للحق.