​يحتل عيد الغدير، أَو ما يُعرف محليًّا بـ "يوم الولاية"، مكانةً تاريخية وعقائدية عميقة في الوجدان اليمني.

فالارتباط بين اليمنيين والإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) يمتدُّ إلى صدر الإسلام عندما أرسل النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) الإمام عليًّا إلى اليمن؛ فأسلمت قبيلةُ همدان العريقة في يوم واحد، ودخل أهل اليمن الإسلامَ طواعيةً؛ حُبًّا وتأثُّرًا بشخصية الإمام وعدالته وسيرته.

​هذا المزيج من الحب والولاء جعل من إحياءِ "يوم الولاية" تقليدًا سنويًّا راسخًا تتوارثُه الأجيالُ في اليمن، حَيثُ يُنظَرُ إليه كمحطةٍ لتجديد التمسُّك بالهُوية الإيمانية، واستلهام قيم الشجاعة والتضحية لمواجهة التحديات المعاصَرة.

 

​مظاهرُ وطقوسُ إحياء عيد الغدير في المحافظات اليمنية

​تتنوَّعُ مظاهرُ الاحتفال بـ "يوم الولاية" في المُدُنِ والمناطق الريفية اليمنية (مثل صنعاء، وحجّـة، والحديدة، وذمار، وصعدة)، لتجمَعَ بين البهجة الشعبيّة والأنشطة التوعوية والثقافية:

​1. المسيرات الجماهيرية الكبرى والمحافل الخطابية

​تَشهدُ العواصمُ والساحاتُ المركَزية خروجَ مسيرات حاشدة تُرفع فيها الهتافات والشعارات المؤكّـدة على عظمة المناسبة.

تُلقى في هذه الفعاليات قصائد الشعر العربي والشعبي، وكلمات لعلماء ومسؤولين تسلط الضوء على "خطبة الغدير" ودلالاتها في لمِّ شمل الأُمَّــة وحمايتها من التمزق.

​2. الأهازيج الشعبيّة ورقصاتُ البرع والزوامل

​يتجلَّى الطابعُ اليمنيُّ الخاصُّ في الاحتفالات من خلال تقديم فقرات مشبَّعة بالتراث الشعبي الأصيل؛ حَيثُ يصطفُّ المواطنون لتأدية "برع الغدير" (وهي رقصات شعبيّة بالخناجر تعكس القوة والبهجة)، مصحوبة بالزوامل والأناشيد الحماسية التي تتغنَّى بمناقب أمير المؤمنين وفضائله.

​3. الأمسيات والندوات الفكرية

​تُنَظَّمُ في القرى والعُزَل والمساجد ندوات ثقافية ومحاضرات لتعميق الوعيِ بمفهوم الولاية بمعناها القرآني (ولاية الله ورسوله والذين آمنوا)، وكيف يمكنُ لهذه المنظومة أن تُحصّن المجتمع ضد الأخطار ومخطّطات الأعداء.

​4. الإضاءات والزينة ومظاهر التكافل

​تتزيّن الشوارعُ والمباني باللون الأخضر واللافتات الاحتفالية، وتنشَطُ المبادراتُ الإنسانية لإطعام الطعام وتوزيع الحلوى على الفقراء والمساكين؛ انطلاقًا من الروايات الدينية التي تَحُثُّ على التكافل الاجتماعي وإدخَال السرور على قلوب المؤمنين في هذا اليوم.

 

​الأبعاد السياسية والمعاصرة ليوم الولاية في اليمن

​لم يعد إحياء عيد الغدير في اليمن المعاصر مُجَـرّد مناسبة دينية وطقس عبادي فحسب، لقد اتخذ أبعادًا سياسية ووجودية بالغة الأهميّة للاستقلال والسيادة.

​يتجلى البُعد الأول في التحرّر من التبعية، حَيثُ يُطرح مفهوم "الولاية" كصمام أمان يحمي الأُمَّــة من التولي للمشاريع الخارجية، ويضمن استقلال القرار السياسي والسيادي لليمن.

​أما البُعد الثاني فهو تعزيزُ الصمود والثبات؛ إذ يُستلهم من سيرة الإمام علي (ع) في مقارعة الظالمين ومواجهة الطغيان طاقة إيمانية تدفع الشعب اليمني للصمود والتلاحم في مواجهة الحصار والحروب.

​وأخيرًا، يُمثّل هذا الإحياءُ مقياسًا للهُوية الإيمانية، حَيثُ يُنظَر إلى التمسك بهذا اليوم؛ باعتبَاره امتدادًا طبيعيًّا لنصرة أهل اليمن الأوائل (كالأنصار وهمدان) للدِّين الإسلامي وللرسول وآل بيته الأطهار.

​​يظل إحياءُ عيد الغدير في اليمن مظهرًا بارزًا يعكس عمقَ الرابطة الروحية والتاريخية بين الشعب اليمني وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام).

ومن خلال هذه الاحتفالات، يجدِّدُ اليمنيون تأكيدَهم على أن "الولاية" هي منهجُ حياة متكامل للعدالة، والحرية، والعزة، ورفض الخنوع، متطلعين إلى أن تكون هذه الذكرى دائمًا دافعًا لوحدة الصف، وبناء مجتمع قوي ومستقل.