يمكن لمن يتتبع كلمات وخطابات ومحاضرات السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي "يحفظه الله"، أن يلمس منذ الوهلة الأولى الالتزام الرسالي ، والحرص الاستثنائي الذي يتبدى في أعلى مستوياته لمحاولات إقناع الأمة وهدايتها، والأخذ بزمامها، ومحاولة انتشالها من واقع التيه والتدجين، عبر الدعوة إلى العودة الصادقة والواعية إلى مضامين نص القرآن الكريم، وتوجيهاته ونواهيه الإلهية، كمنطلق وحيد، وخيار لا بديل عنه للتحرر من الهيمنة الصهيوأمريكية، وإفشال مخططاتها المستهدفة للأمة.

ولعل خطاب السيد القائد، أمس، بمناسبة ذكرى عيد الغدير، يوم ولاية أمير المؤمنين علي - عليه السلام - في الثامن عشر من ذي الحجة 1447هـ، يمثل نموذجاً حياً للكاريزما القيادية والدلالات التي تحملها لغته ومواقفه، التي تذكرنا ببلاغة جده أمير المؤمنين علي "عليه السلام"، وتؤكد في نفوسنا بأنه نعمة عظيمة تتوجب الشكر لله، أن خلقنا في مرحلته، وجعلنا من أتباعه وجنوده.

فخطابات السيد القائد منذ تحمله للمسؤولية بعد استشهاد أخيه شهيد القرآن السيد حسين بدر الدين الحوثي - رضوان الله عليه - تعيد صياغة المشهد السياسي والثقافي من بوابة التأصيل الديني والقرآني، وفق معادلة "عين على الأحداث وعين على القرآن"، وهو ما يكشف لأتباعه وشعبه ومحبيه في محور المقاومة ومن كل أحرار العالم، غور العمق السياسي لديه، وإدراكه الواسع وخبرته العالية، بالحرب العسكرية والعقائدية والثقافية والفكرية والنفسية والإعلامية.. التي تشنها الصهيونية العالمية ضد أمة الإسلام وشعوبها وحكوماتها ومقدراتها وهويتها، والمجتمع البشري ككل.

وهنا تتجلى عبقرية الأداء الخطابي للسيد القائد في تناغم وانسجام تامين بين نبرة الصوت ولغة الجسد، والقدرة على إيصال الرسالة وتعميق أثرها في الوجدان؛ حيث تفرض الصياغة اللغوية دلالات صوتية وحركية واضحة غير متكلفة؛ فيبدأ الخطاب عادة بنبرة نصوحة هادئة، خفيضة وواثقة، ورحيمة وحريصة على هداية الأمة، فتتسم كلماته وخطاباته ومحاضراته بالسكينة والوقار التامين.

ففي النصف الأول من كلمة الولاية ونحن نتابعه وهو يستعرض الآيات والسنن الإلهية ومفهوم "كمال الدين وتمام النعمة"، ويقدمها بأسلوب تعليمي تراكمي ويستحضر حجة الوداع وتفاصيل النفير العام في السنة العاشرة للهجرة، ليؤكد للجمهور أن المعركة قبل كل شيء هي معركة "وعي وبصيرة وحفاظ على الهوية الإيمانية"، منتقداً انحدار بعض البلدان نحو اهتمامات تافهة ومناسبات يهودية تفسد النفوس.

هذه السكينة التعليمية تتحول بشكل تصاعدي إلى نبرة جهورية حادة وقوية، وأكثر ثقة وإقناعاً، تقود المتابع نحو الحلول المطلوبة، لكل ما تم توضيحه.

وبمجرد انتقاله للحديث عن جانب المواجهة، ومخططات الأعداء وتحديات المرحلة؛ تترافق هذه الحدة الصوتية مع لغة جسد تعبيرية، بعيداً عن الإشارات التوثيقية الهادئة لتُستبدل بحركات وصور تجر المشاهد والمستمع إلى مربع ضرورة الجهوزية والتحرك واستشعار المسؤولية، تفادياً لما عرفه من خطورة المضامين والنصائح عن مشكلات الأمة وأخطرها الولاء لليهود.

ومن بين الحركات والإشارات المألوفة عن السيد القائد تحريك السبابة وقبضة اليد الثابتة والنظرة المباشرة نحو الكاميرا التي تبث إلى قلب وعقل المتابع لها التصديق المطلق، والتسليم الفوري، والإقناع الذي لا يُنازَع، تعززها عباراته وجمله وحججه وبراهينه التي لا تقبل المساومة، وتتبخر أمامها كل الذرائع والأعذار، فيستخدم عبارات مثل "كارثة، وطامة، وجاهزيتنا للتصدي"، التي تشد النفس إلى ذات الأسلوب القرآني البليغ في مواضع تتطلب التحذير من خطر يستهدف النفوس والمجتمعات، بعد الشرح والتوضيح الدقيق لكل التفاصيل، وفق معلومات وبيانات وأرقام صحيحة، وربطها بالتشخيص القرآني، وسبل وطرق الحل.

وفي المقابل، لا تغيب النبرة المتأثرة والحزينة التي تعكس مستوى التحمل والدعوة والنصيحة الخالصة لهذه الأمة ومجاهديها، بالتحرك المسؤول والأخلاقي من خلال استخدام عبارة النداء والمنادى "يا أبناء أمتنا الإسلامية"، حين يتطرق الخطاب إلى مظلومية ومأساة الشعب الفلسطيني وغزة.

فيما النظرة المباشرة والثابتة للسيد القائد نحو الكاميرا، تعزز لدى محبيه وأنصاره، قبل خصومه، التواصل البصري، وتؤكد حجم الصدق والثقة والاطمئنان لنتائج وثمار المواجهة، والإيمان العالي بنصر الله، وقوة الثبات على الحق، كما هو الحال بالنسبة للهدوء الحركي العام، وغياب الحركات العشوائية أو الالتفات المتكرر، وهذا مما يرفع مستوى الكاريزما العالية والنبيلة، ويظهر مستوى الرصانة والتركيز لديه.

إن المتأمل في النص يلحظ تكرار بعض المصطلحات والمناشدات التي تحمل أبعاداً دلالية بالغة الأهمية؛ فتكرار مصطلح "المسؤولية الإيمانية والأخلاقية" يهدف بالدرجة الأولى إلى تحويل الموقف السياسي والعسكري إلى واجب ديني يحاسب عليه المرء أمام الله، فيما يمثل تكرار مناشدة "شعبنا اليمني المسلم العزيز" استنهاضاً حياً للهوية والمدد القبلي والحاضنة الشعبية، وترسيخاً لمصطلحات كـ "الجهاد، والثبات، والتضحية" لتهيئة الرأي العام لتبعات الصراع الطويل وثقافة الصمود الاقتصادي والعسكري في مواجهة العدوان والحصار المتواصلين على شعبنا اليمني وعلى محور المقاومة وشعوبها.

وفي الضفة الأخرى، يأتي التحديد الواضح والمكرر لهوية العدو عبر مصطلحات "اليهود والنصارى، والصهاينة، وأمريكا وكيان العدو الإسرائيلي"، لقطع الطريق أمام أي لبس في تشخيص الخصم، بموازاة مسار الأنظمة المطبّعة وتقديم المشهدية التصويرية لأفعالها وارتدادها وخروجها تحت "ولاية الطاغوت"، طارحاً "مفهوم الولاية والتولي الإيماني" كالبديل الشرعي والوحيد الذي رسمه الله لهذه الأمة، والتحصين الحقيقي لها من الاختراق والضياع.

وفي هذا السياق، جاء الخطاب عن المناسبة الإيمانية مشحوناً بالتحذيرات الحساسة التي تلامس واقع الأمة اليوم؛ حيث حذر السيد القائد بأشد العبارات من خطر الاختراق الصهيوني، مبيناً أن من اهمها وأكثرها خطورة  هو السيطرة على موقع "ولاية الأمر" وصناعة الزعامات، مستشهداً بمواقف سابقة للمتغطرس "ترامب" في شطب أسماء مرشحين بالعراق، ليبين كيف سلب الأمريكيون الإرادة السياسية وجعلوا معيار "الشرعية" مرتبطاً بالخنوع والتبعية لليهود.

كما كشف -يحفظه الله- الستار عن أبعاد الحرب الثقافية عبر التحذير من مغبة الاستجابة للإملاءات اليهودية بشطب وتعديل الآيات القرآنية من المناهج الدراسية في بعض البلدان العربية والإسلامية استرضاءً للأعداء وتجريداً للأمة من عناصر قوتها.

وأقام السيد القائد في خطاب الولاية الحجة الأخلاقية والدينية الفاضحة ضد الأنظمة التي خذلت غزة وفلسطين وتفرجت على جرائم الإبادة والتجويع خضوعاً للإرادة الأمريكية، لينتقل بعد ذلك إلى إرسال تحذير استباقي و"نصيحة" ذات طابع عسكري وسياسي صارم لكل القوى والجهات في المنطقة، محذراً إياهم من التورط في المخططات الأمريكية والقتال كأدوات بالوكالة لخدمة العدو الصهيوني، متوعداً من يسير في هذا الطريق بالعار والخزي في الدنيا وعواقب نار جهنم في الآخرة.

وهنا نؤكد أن كلمات وخطابات السيد القائد، امتداد لبلاغة أمير المؤمنين علي "عليه السلام"، وثمرة من ثمار الارتباط القوي بالقرآن الكريم، والتلاوة والمراجعة المستمرتين لسوره وآياته، رغم عظم المسؤولية وضيق الوقت، وهذه من نعم الله التي يودعها في أوليائه وعباده الصالحين، وقلّما يوجد في هذه الأمة من ينعمون بذلك، كما هي نعمة منّ الله بها علينا جميعاً في زمنها وتوقيتها الذي يعتمد فيه العدو على الحرب الإعلامية والكلامية، ولكن الله تكفل لأوليائه ولمن يسيرون في الطريق إليه ويثقون به ويتوكلون عليه، أن يجعل لهم سلطاناً نصيراً.