في قاموس الدين، ومشكاة الإيمان المحمدي الأصيل، لا يمكن قراءة جغرافيا الأُمَّــة مجزَّأةً أَو ممزَّقة؛ فالمشروع القرآني جاء ليمثلَ الجسدَ الواحدَ للأُمَّـة الإسلامية.
وحين نتحدث عن واقع الأُمَّــة اليوم وما تواجهُه من استهداف ممنهج، يبرز اليمن في صدارة المواجهة، كركيزة أَسَاسية في سلسلة الصمود الإيماني الممتد، على أرضٍ انصهرت تضحياتُ أبنائها بدماء كُـلّ أحرار الأُمَّــة الشرفاء.
لقد عاش اليمن، كغيره من قلاع العروبة والإسلام، سنواتٍ عجافًا من استهداف الحجر والبشر، وصُبَّت فوق جباله وسهوله أطنانُ الحديد والنار، في محاولة بائسة لكسر إرادَة "نَفَسِ الرحمن" في يمن الإيمان والحكمة.
لكن الرد اليماني زلزل عروشَ المستكبرين من كُـلّ جبلٍ وتبةٍ ووادٍ؛ فما ركع اليمنيون يومًا تحت وطأة العدوان ومشاريع التمزق، فقد نفضوا غبار الموت، وخرجوا من تحت الأنقاض عمالقةً شامخين تطاول هاماتُهم عِنانَ السماء.
إن هذا الصمودَ الأُسطوري ليس حكرًا على بُقعة جغرافية دون غيرها، إنما هو جيناتٌ يمانية أصيلة، استمدت جذورَها من نور النبوة، ومن الإيمان الذي شهد به رسول الله -صلوات الله عليه وعلى آله- ليبقى الثبات اليماني، كما كان دومًا، راسخًا في صدارة الإسلام المحمدي المقاوم.
إن القوة الحقيقية التي تجلّت في هذه المسيرة وفي هذا المشروع القرآني، انطلقت من "ترسانة إيمانية" وهُوية جامعة وعقيدة رصينة تشاركها اليمانيون من صعدة إلى المهرة، ولم تكن يومًا ذات منطلق مناطقي ضيق أَو فئوي.
هذا المشروع الإيماني أعاد للأُمَّـة بأسرها بُوصلتها الضائعة، وجعل من وعي الشعب اليمني -بكل أطيافه- متاريسَ فكريةً حاسمةً تكسرت عليها مؤامرات التفتيت ومشاريع التمزق والارتهان لقوى الغرب الاستعماري الكافر.
وعلى صخرة هذا الوعي الجمعي، تحطّمت مطابخ الشائعات، وأُذيق ناقعو السموم ومروِّجو الأراجيف والفتن المذهبية والمناطقية مرارةَ الانكشاف والفضائح، ليذهبَ غثاؤهم جُفاءً، ولتنتصر حقيقةُ "وَحدة الأُمَّــة ووحدة الساحات" في محور الجهاد الواحد، على امتداد ثغور القضايا المقدسة، وعلى رأسها مظلومية فلسطين.
اليوم، يدرك كُـلّ مراقب منصف أن هذا الحراك الإيماني الجهادي المبارك، الذي انطلق من يمن الإيمان، هو ملكٌ وحصنٌ لكل مسلم في الأُمَّــة؛ باعتبَاره مشروعًا قرآنيًّا إنقاذيًّا بامتيَاز.
وهذا كله بفضل الله وتأييده، ثم بفضل قيادةٍ عظيمة حكيمة، يتسع قلبُها ورؤيتها القرآنية لكل نبضٍ إسلامي على امتداد الجغرافيا.
يقف خلف لواء هذه القيادة رجالٌ صدقوا ما عاهدوا الله عليه من شتى بقاع الأرض، في ترجمة حية لوحدة الدين والدم والمصير، التي جعلت من اليمن سدًّا منيعًا، وصمام أمان حقيقيًّا، ومنارة هدى تهتدي بها قوافل المؤمنين نحو النصر، والتمكين، والاستقلال الكامل.