تتسارع الأحداث العسكرية والسياسية بوتيرة متصاعدة في المنطقة، وسط فشلٍ أمريكي واضح في فرض إرادته على شعوب وقوى المقاومة، وعجزٍ صهيوني متزايد عن تحقيق أهدافه رغم الدعم الغربي المفتوح.

ففي الوقت الذي يواصل فيه ترامب الحديثَ المتكرّرَ عن قُربِ التوصل إلى اتّفاق مع إيران، تكشفُ الوقائعُ الميدانية أن واشنطن تسير في اتّجاه معاكس تمامًا، عبر توسيع دائرة العدوان واستهداف مواقع ومنظومات دفاعية إيرانية في محيط مضيق هرمز، في محاولة لفرض معادلات جديدة بالقوة بعد أن عجزت عن انتزاعها على طاولة المفاوضات.

وفي خضم هذه التطورات يبرز الموقف اليمني بوصفه أحد أهم المواقف العربية والإسلامية ثباتًا ووضوحًا.

فاليمن لم يكتفِ بإعلان موقفه السياسي الداعم لفلسطين ومحور المقاومة، لكنه انتقل إلى مرحلة الفعل المباشر عبر عملياته العسكرية إلى يافا، وإعادة فرض الحصار على كيان العدوّ في البحر الأحمر وبحر العرب، مرسيًا معادلات جديدة.

لقد أثبتت القوات المسلحة اليمنية أن الإرادَة الصادقة للقيادة قادرة على تحويل الحصار إلى قوة، والمعاناة إلى عنصر ردع، وأن اليمن الذي أرادوه ساحةً للهيمنة أصبح رقمًا صعبًا في معادلات المنطقة.

كما أثبت اليمن قيادةً وشعبًا أنه يقف في خندق واحد مع قضايا الأُمَّــة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية ولبنان وإيران.

لقد أكّـد الشهيد القائد رضوان الله عليه، أن الأُمَّــة حين تتحَرّك في مواجهة الطغيان والهيمنة تستعيد عزتها وقوتها، وحين تثق بالله وتتمسك بمشروعها الحق فإنها قادرة على إفشال أكبر المؤامرات وإسقاط أعظم التحديات.

وفي الميدان، تتكشف حقيقة ما يجري بصورة أوضح؛ فالهجمات التي استهدفت قواعد أمريكية في المنطقة، والعمليات العسكرية المتبادلة، تؤكّـد أن زمن الهيمنة المطلقة قد انتهى، وأن أي عدوان لم يعد يمر دون ردع.

كما أن استهداف السفن في الممرات البحرية الحساسة، والاضطراب المتزايد بخطوط الملاحة، يعكس حجم القلق الذي يعيشه العدوّ الصهيو أمريكي وحلفاؤه.

أما على الجبهة اللبنانية، فإن الاعترافات الصهيونية بالخسائر البشرية المتزايدة تكشف جانبًا من الحقيقة التي حاول الاحتلال إخفاءها طويلًا.

فعمليات المقاومة الإسلامية في لبنان، وما تسببه من استنزاف مُستمرّ للقوات الإسرائيلية، تؤكّـد أن العدوّ بات يواجه حربًا مفتوحة لا يستطيع حسمها، وأن قدرات المقاومة ما تزال قادرة على إيلامه وإرباك حساباته العسكرية.

ولعل الأهم من ذلك هو ما بدأ يخرج من داخل إعلام العد الصهيوني نفسه، حَيثُ باتت الأصواتُ الإسرائيليةُ تعترفُ بأن الإيرانيين وحزبَ الله واليمن يمتلكون قدرةً استثنائيةً على الصمود والتحمل، وأن إخضاعَهم ليس بالأمر السهل.

إن استمرار المواجهة قد يقود كيان الاحتلال إلى حرب استنزاف طويلة بلا أفق ولا نهاية.

كما أن صور الأقمار الصناعية التي كشفت أضرارًا في قاعدة "رامات ديفيد ويافا" جراء الصواريخ الإيرانية واليمنية، تمثل دليلًا إضافيًّا على أن عمق كيان الاحتلال لم يعد بمنأى عن الضربات، وأن معادلات الردع التي حاول الاحتلال كسرها قد عادت بصورة أشد وأقوى.

إن ما يجري اليوم يؤكّـد أن المنطقة دخلت مرحلة جديدة عنوانُها سقوطُ أوهام القوة الأمريكية والصهيونية، وصعود محور المقاومة لاعبًا أَسَاسيًّا لا يمكن تجاوزه.

وكلما اتسعت دائرة العدوان، اتسعت معها دائرةُ المواجهة، وازدادت قناعةُ الشعوب بأن خِيارَ المقاومة هو الطريقُ الوحيدُ لحفظِ الكرامة والسيادة والاستقلال.

إذن.. إذَا كانت واشنطن وكيان الاحتلال تراهنان على إرهاق شعوب المنطقة وإخضاعها بالقوة، فإن الوقائع الميدانية تقول العكس تمامًا؛ فالمقاومة تزداد خبرةً وصلابة، والعدوّ يزداد استنزافا وارتباكا، فيما يتشكل واقع جديد تتراجع فيه هيبة الهيمنة، وتتقدم فيه إرادَة أحرار المقاومة.