لم يعد العالم يعترف بالقواعد القديمة للهيمنة أحادية القطب، فالجغرافيا تتقدم اليوم إلى واجهة القرار الدولي؛ باعتبَارها أدَاةَ حسم استراتيجية في صراع النفوذ العالمي.
وفي خضم هذا التحول التاريخي نحو نظام متعدد الأقطاب، يبرز اليمنُ كـرقم صعب وعُقدة ارتكاز لا يمكن تجاوزها في صياغة المعادلات الدولية الجديدة.
إن ما نشهده اليوم قد يكون التقاء استراتيجيًّا متينًا لتقاطعات المصالح بين قوى دولية كبرى كالصين وروسيا، وقوة إقليمية لمحور المقاومة بما فيها إيران واليمن حَيثُ يلتقي الجميع عند بوابات اليمن السيادية في باب المندب والبحر الأحمر لترسيم حدود النفوذ الجديد.
وتتضح أبعاد هذه المعادلة من خلال التكامل الاستراتيجي بين أطرافها.
فالصين كمحرك اقتصادي عالمي تدرك أن صعودها لقمة النظام الدولي مرهونٌ بأمن خطوط الملاحة وتأمين طريق الحرير البحري الذي يمر حتمًا عبر المياه اليمنية.
وفي المقابل، تتحَرّك روسيا بثقلها العسكري والجيوسياسي لكسر الحصار الغربي وإعادة صياغة الأمن الدولي، مستندة إلى إضعاف النفوذ الأمريكي في الممرات البحرية الحيوية.
أما اليمن وإيران ومعهم محور المقاومة، فقد أثبتوا قدرةً فائقةً على فرض معادلات اشتباك جديدة وممتدة من الخليج إلى البحر الأحمر، محولين عناصر القوة الجغرافية إلى أوراق ضغط استراتيجية في مواجهة الهيمنة الغربية وحلفائها في المنطقة.
وسط هذا المشهد، يتجاوزُ اليمنُ موقعَه كمُجَـرّد دولة مشاطئة لمضيق باب المندب، ليصبحَ شريانًا رئيسيًّا يتحكَّمُ في حركة التجارة والطاقة العالمية وعصب الاقتصاد العالمي، في حين لم تعد القوة اليوم تقاس بضخامة الترسانات التقليدية، بل بالقدرة الفعلية على التأثير في نقاط الاختناق الاستراتيجية.
لقد أثبتت التحولاتُ الأخيرةُ أن اليمنَ يمتلكُ الإرادَةَ السياسيةَ والعسكرية لفرض سيادته، وتحويل موقعه الجغرافي إلى سلاح ردع استراتيجي أعاد صياغة موازين القوى، وهو تموضع قوي يخدم مباشرة محور المقاومة، حَيثُ يمنحه ذراعًا بحريًّا قادرًا على موازنة الغطرسة الأمريكية والغربية في المنطقة بأسرها.
إن هذا التقاطع بين اليمن وإيران كمحور جهادي مقاوم، وبين تقاطع محور المصالح الروسية والصينية ينعكس فورًا كزلزال جغرافي يفرض على القوى الغربية إعادة التكيف والتراجع.
ورغم أن هذه المعادلة تبدو كشبكة معقدة من المصالح المفتوحة بين روسيا والصين، إلا أن محور المقاومة أقوى من التحالف كمصالح كونه مبنيًّا على قضايا مقدسة للأُمَّـة تصب في مصلحة أبناء الأُمَّــة وتفتت الهيمنة الغربية، لا سِـيَّـما أن العالم اليوم يتحَرّك بخطى ثابتة نحو مرحلة تاريخية تُعاد فيها صياغة مفهوم القوة والسيادة، وفي هذه المرحلة، يفرض اليمن نفسه بحكم تضحياته وموقعه الجغرافي الحساس كأحد أهم مفاتيح هذه المعادلة الدولية.
إن الجغرافيا التي ظن البعضُ أنها تلاشت أمام التكنولوجيا، تعود اليوم لتقول كلمتها الفصل من بوابة باب المندب، وبقوة غير مسبوقة تضع اليمن في صدارة صناع التاريخ الجديد.