كان الإمام الحسين -عليه سلام الله- فجرًا لنهضة شماء، ومشروعًا لأمة تنشد العلياء، جدّد للخليقة رسم الثورةَ السامية ومعالمها، وحدّد للبرية حدودَ الطاعة ومحارمها، وشيَّد للنفس الإنسانية صرحَ كرامتها وإبائها.

وجسّد سيدُ الشهداء في طف كربلاء، فوق زُؤام الظمأ والبلاء، أعظمَ مواقف الثبات التي تتقاصر عنها الرماح، وتضيق بشأوِها البطاح، وتوج مقامه الأسنى، وموقفه الأسمى، بكلمته المستهلة، فقال "هيهات منا الذلة"، التي صنعت من المكمن نجاة، ومن الموت حياة؛ فأبى غير العز سبيلا، وأنكر على البغي أن يجد إليه طريقًا، رافضًا بيعة الطغام ولو طبقت السماء على الرَّغام.

ولم يخرج السبط الشهيد أشِرًا لملك دنيوي يزول، ولا بطِرًا لسلطان كظلال غمام يحول، وإنما شهر سيف الوعي المنير، ومضى مضاء الصارم الشهير، معلِنًا في وصيته الفريدة ووجهته الرشيدة، وغايته السديدة، حين قال: "إني لم أخرج أشِرًا ولا بطِرًا ولا مفسدًا ولا ظالمًا، وإنما خرجتُ لطلب الإصلاح في أُمَّـة جدي، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، وأسير بسيرة جدي وأبي علي بن أبي طالب".

فيا لله من إعلان أسَّس للثورة الأخلاقية كتابًا مسطورا، وجعل من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عملًا منصورا، لا خطبة بليغة على المنابر، ولا شعارًا مسكوبًا على المحابر.

ورغم أن الحسين يوم الطف كان بين حياة تمتد وموت مرصد، وبين هوان كالحمام، وموت في جلباب الغمام، بين ذل يطأطئ الرؤوس، وعز تتسابق إليه النفوس؛ صدع بقول لا يعتريه بس، ولا يخالجه لَبْس، حَيثُ نادى "لا والله لا أعطيكم بيدي إعطاء الذليل، ولا أُقِرُّ لكم إقرارَ العبيد".

وقال: "إني لا أرى الموت إلا سعادة، والحياة مع الظالمين إلا بَرَما"، وأكّـد أن "موتًا في عز خيرٌ من حياة في ذل"، وما كانت هذه الكلمات لفظة تقذفُها الحناجرُ عند احتدام الصدام، وإنّما كانت دستورًا للجهاد والمقاومة على مدى الأيّام، يصير الشهادة المحضة فلقة نور تكشف سوءة الجور، وتجعل من الموتِ بدايةَ المشروع لا نهاية الشوط.

وحتى والقوم قد أحاطوا به إحاطةَ السوارِ بالمعصم، وأشرعوا في وجهه أسنةَ الأسهم، لم يثنه ذلك عن إقامة الحُجّـة البالغة، وبث الموعظة السائغة، فخطب فيهم يومَ عاشوراء بعزيمة لا تلين، ومنطق حق مبين، فقال: "أيها الناس، انسبوني من أنا، ألستُ ابن بنت نبيكم، وابنُ وصيه وابن عمه، أوَلم يبلغكم قولُ رسول الله لي ولأخي: هذان سيدا شباب أهل الجنة؟".

بهذا البيان الأبلج، نسف للمكر كُـلّ منهج، وأسقط معاذير الجريمة النكراء، وحوّل المعركة من كر وفر بالسلاح، إلى محكمة أخلاقية تبقى فوق هام الزمان لا تزاح.

وما انتصرت كربلاء بشبا النصال، ولكن بتحول ذلك الدمِ القاني إلى وعي ران طويل الآجال؛ فغدت الثورةُ الحسينية نبراسًا لكل من يروم الانعتاقَ من الأغلال، ومرجعًا لكل حركة تنشُدُ الحرية في حومة النضال؛ لأنها صرخة عدل للإنسانية جمعاء، وإشعاع حق يطوّق الأرجاء.

وما نشهده اليوم في محور الجهاد والمقاومة في الساحات والميادين المعاصرة، ليس إلا نبعًا من ذلك الغدير، وقبسًا من ذلك السراج المنير، حَيثُ يُستمد من كربلاء، مقارعةُ المعتدي الآثم، ومناهضة الظلم الغاشم، ورفض الاستبداد الصارم، ونصرة المساكين والمستضعفين في المغارم والمغانم.

إنّ الصراع الراهن هو المرآة المجلية لتلك الملحمةِ المطوية وغير المنسية، حَيثُ تتكسّر مشاريع الهيمنة الاستكبارية على صخرة الشعار الحسيني النابض بـ "هيهاتَ منّا الذلة"؛ لأنه منهجُ ثبات في الميادين، لا مُجَـرّد هُتاف تجودُ به الأفواه وتلوكه ألسن المنادين.

لم يمت الحسين -عليه السلام-؛ لأن القاتل لم يحفر قبره، والجائر لم يمحو ذكره؛ فكلما نبت للظلم قرن، انبرى له من وعي الحسين يزأر ويثأر، يتجدد في الموقف والفعل والخاطر، فمن طوفان كربلاء إلى غزة فلسطين، ومن دم الحسين المسفوك في خنادق المجاهدين المقاومين الصامدين، تنتظم الحلقات في سلسلة واحدة من الشموخ والإباء والثبات، عنوانها الأبدي أن الكرامة لا تؤجل، وأن الحق لا يقايض بالعِرض الأدنى، وأن الثورة متى كانت لله؛ فلا تموتُ ولا تفنى.