عجباً لأمة أعزها الله بالإسلام ورفع ذكرها بالقرآن وأعلى راياتها بالقادة الأعلام ليحررها من عبودية الشيطان والمذلة والهوان لطواغيت الزمان فلا تُعبّد نفسها إلا لله الواحد الديان.  
بيد أنها تفلتت عن دينها وإسلامها وانقلبت على عقبيها وألقت بكتاب ربها وراء ظهرها ورفعت سيوف أهوائها في وجه هداتها وأعلامها وارتمت في أحضان أعدائها جحوداً وجهلاً منها بأسباب حريتها وعزتها وكرامتها.

وما فتئ أعلام الهدى يؤدون مسؤولياتهم تجاه دينهم طاعة لأمر ربهم ويحملون همَّ أمتهم ويرشدونها إلى ما فيه خيرها ومصلحتها ويقدمون أغلى التضحيات في سبيل الله فسفكت دماؤهم بسيوف أبناء أمتهم ظلماً وعدواناً لأنفسهم ولأعلامهم.  
وبينما فطر الله سائر المخلوقين ولا سيما الإنسان على الحرية وأذن لهم بقتال طواغيت الاستبداد دفاعاً عن كرامتهم وعزتهم وحريتهم وانتصاراً لمظلوميتهم، لقوله عز من قائل تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج: 39]  
فإذا بالمسلمين يجحدون آيات الله ويقاتلون جنباً إلى جنب مع الطواغيت وكأنهم يدافعون عن ذلهم وهوانهم وهم يعلمون.

ولما رأى الإمام زيد بن علي عليهما السلام مدى إمعان حكام الجور والظلام في إذلال الأمة بممارسة الظلم والطغيان، ناهيك عن تقريب اليهود في مجالس الحكام والمجاهرة بالعداء وسب النبي المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم جهارا في مجلس الطاغية هشام.  وحينئذ أدرك الإمام أن خطراً حقيقياً يتهدد دين الإسلام وتكشف الولاء لليهود والنصارى للعيان.  
فاليوم يهودي واحد في مجلس الحكم يتطاول على النبي والإسلام، وإن لم يتم التصدي لهذا الخطر وقطع لسان اليهودي الكافر في ذلك الوقت ففي غد سيتمكن اليهود من إحكام سيطرتهم في بلاد المسلمين وطمس معالم الإسلام.

هنالك خرج حليف القرآن الإمام زيد بن علي عليهما السلام ثائراً شاهراً سيفه معلناً جهاده آمراً بمعروف وناهياً عن منكر، يصرخ في الأمة ويستنهضها بقوله:  
"والله ما كره قوم قط حرَّ السيوف إلا ذلوا"  

فلقد خرج الإمام زيد عليه السلام يستلهم خروجه العادل من كتاب الله، مصلحاً في أمة جده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دفاعاً عن دين الله، ومنتصراً لمظلومية الأمة التي أراد لها الله أن تكون خير أمة أخرجت للناس في آخر الزمان.

وما خرج معه إلا ثلة من المؤمنين الصادقين المجاهدين الواعين بأهمية خروجهم، فسفكت دماؤهم وارتقى الإمام زيد والذين معه إلى الله شهداء، وغرقت الأمة في مستنقع ضلالها وهوانها وذلها.  
وها هي اليوم تدفع الأثمان الباهظة جزاءً وفاقاً لخذلانها لأبناء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأعلام الهدى القائمين بأمر الله من بعده.

ولما لم تنصر الأمة إمامها وولي أمرها ذلك اليوم لاستئصال شأفة الفتنة في مهدها، سلط الله عليها أعداءها وأصبح ذلك اليهودي دولة تفرض هيمنتها وتمارس جبرتها وطغيانها في حق الأمة بأسرها، وتنتهك أعراضها ومقدساتها في ظل صمتها وهوانها وخوفها.

وعلى الرغم من المذلة والخضوع والخنوع، وبعد مضي أربع عشرة قرناً من الزمان، ما زالت تعاند وتكابر وتتآمر على القادة الربانيين من آل بيت نبيها صلى الله عليه وآله وسلم وأحرار الأمة، رفضاً للحرية والاستقلال والعزة والكرامة وطلباً للعبودية والاستسلام.  
أذلك جحود لآيات الله أم نكران لوعوده؟

ومهما كانت العواقب فلن ينفك أولياء الله عن القيام بمسؤولياتهم، وهم بجهادهم قائمون، ولكلمة الله منتصرون، وعلى ربهم متوكلون، ومنه العون يستمدون، ولسان حالهم يردد قول الله سبحانه وتعالى:  
﴿يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ﴾ [يس: 26]  
وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم، والعاقبة للمتقين.