أعاد خطاب السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي تعريفَ الطبيعة الشاملة للصراع مع السعودية، ورسم بصورة أكثر وضوحًا المعادلة التي قد تحكم المرحلة المقبلة.
من شرح العدوان والحصار وتوصيف آثارهما الإنسانية والاقتصادية، إلى إعلان موقف أكثر حسمًا، مفادُه أن استمرارَ التحكم بالمطارات والموانئ والثروات اليمنية لن يبقى بلا رد، وأن عودة المواجهة إلى التصعيد الشامل ستضع المصالح والمنشآت الحيوية السعودية ضمن معادلة الردع المعلنة.
المسألة المركزية في هذا الخطاب تمتدُّ إلى مبدأ السيادة اليمنية بكاملها، وبحقوق أصلية وثابتة للشعب اليمني، لا امتيازات تفاوضية تمنحها السعودية أو تمنعها.
والرد اليمني لا يستهدف إدارة أزمة عابرة، إنما يمضي نحو إنهاء نمط كامل من العلاقة، والانتقال من الوصاية إلى الندية، ومن التحكم الخارجي إلى السيادة المتبادلة.
ومن هنا يفرض الخطاب سؤالًا جوهريًّا: بأي حق تتحكم دولة أخرى في سفر اليمنيين، ووصول بضائعهم، وتشغيل موانئهم، والتصرف بثرواتهم؟
وتحت أي مبرر تتعامل السعودية مع اليمن من موقع الوصي الذي يقرر ما يدخل وما يخرج، ومن يسافر ومن يعود، وما يُسمح به وما يُمنع؟
وضع خطاب القائد السعودية أمام خيارين لا ثالث لهما: إما مراجعة سياساتها، والانتقال إلى تفاهمات تحترم سيادة اليمن وحقوق شعبه، وإما الاستمرار في مسار التورط والتصعيد، بما يجعل مصالحها ومنشآتها الحيوية جزءًا مباشرًا من ميدان المواجهة.
وعليه، تبدو الخيارات محددة أمام السعودي: إما وقف الاعتداءات، وفتح المطارات والموانئ، ورفع القيود عن السفر والتجارة، وتمكين الشعب من الاستفادة من ثرواته النفطية والغازية؛ وإما أن تتحول معادلة الردع من تحذير معلن إلى واقع ميداني.
لقد انتهى، وفق هذه الرؤية، زمن المطالبة المجردة بالحقوق، وبدأ زمن حمايتها، ولم تعد صنعاء تقبل بتهدئة تحفظ أمن الطرف الآخر، بينما يبقى الشعب اليمني تحت الحصار والضغط الاقتصادي.
والعودة إلى الحرب لن تكون نزهة، ولن تعيد عقارب الساعة إلى الوراء، فقد تغيّر اليمن، وتبدّلت موازين الردع، وأصبح أي عدوان جديد أكثر كلفة وأوسع تداعيات مما كان عليه في السابق.
اليمن لم يعد في الوضع الذي كان عليه عند بداية الحرب، فقد تراكمت لديه خِبرةٌ عسكرية واسعة، وتطورت قدراته الصاروخية والجوية، وأصبح قادرًا، وفق ما يعلنه، على الوصول إلى أهداف بعيدة وحساسة.
ولهذا فإن عودةَ السعودية إلى المواجهة المباشرة لن تكون تكرارًا للجولات السابقة، ولن تجري في الظروف نفسها، فالبيئة الإقليمية أصبحت أكثر تعقيدًا، والصراع في البحر الأحمر بات متداخلًا مع المواجهات الأوسع، ومن ثم فإن أي تصعيد جديد لن يبقى محصورًا في الحدود اليمنية السعودية، وقد يتقاطع مع ملفات أمن الطاقة والملاحة والتجارة والصراع الإقليمي المفتوح.
المخرج الأقل كلفة للرياض لا يكمن في اختبار قدرات اليمن مرة أخرى، إنما في الانتقال من إدارة الأزمة إلى حلها، ومن استمرار الحصار إلى بناء تفاهمات واضحة تقوم على السيادة والحقوق وحسن الجوار.
باب السلام لم يُغلق، واليمنيون، قيادةً وشعبًا، لا يبحثون عن الحرب، لكنهم لن يهربوا منها إذا فُرضت عليهم، يمدون أيديهم إلى سلام عادل ومشرّف، وفي الوقت نفسه يُبقون خياراتهم مفتوحة في مواجهة الحصار والعدوان.
لقد أثبت اليمنيون خلال السنوات الماضية أنهم لا ينكسرون تحت الضغط، ولا يتراجعون أمام التهديد، وأن كل محاولة لإخضاعهم لا تزيدهم إلا صلابة ووحدة واستعدادًا للدفاع عن وطنهم وكرامتهم.
اليمنيون اليوم أكثر جاهزية لكل الاحتمالات، واثقون بقيادتهم، مصطفون حولها، ثابتون في موقفهم، ومتمسكون بحقوقهم، وهم يدركون أن الحرية لا تُستجدى، وأن السيادة لا تُمنح، وأن الحصار لا يمكن أن يتحول إلى واقع دائم يُفرض على شعب بأكمله.
والكرة في ملعب الرياض: إما أن تختار تسوية تحترم اليمن وشعبه، وإما أن تتحمل تبعات العودة إلى المواجهة في ظروف مختلفة عن كل ما سبق، والتحرك مقدس هنا، مهما كانت التضحيات ومهما تعددت الاحتمالات.