لم يعد اليمن اليوم يُدار بأدواتٍ خارجية، ولم يعد مشهد الصراع فيه يخضع لإملاءات التهدئة التقليدية أو الرهان على جولات التفاوض الإقليمية الدولية التي لا تفضي سوى إلى تمديد معاناة المدنيين، وكسب الوقت الذي يراهن عليه النظام السعودي.
لقد شكّل القصف الأخير الذي استهدف مطار صنعاء الدولي – بوصفه شريان الحياة الإنساني الوحيد لملايين اليمنيين – نقطة تحول مفصلية استدعت صياغة معادلة استراتيجية جديدة فرزت القواعد الحاكمة للمرحلة المقبلة، في موقف حاسم وكلام لا رجعة عنه ولو فنينا عن بكرة أبينا؛ موقف يستند إلى المبدأ الراسخ الذي أعلنه السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي حين قال: "لن نقبل أبداً، أبداً، أبداً باستمرار الحصار والتحكم بنا في موانئنا، في مطاراتنا، في بضائعنا، في حركة مرضانا ومسافرينا، في كل شؤون حياتنا.
نحن شعب حر عزيز بعزة الإيمان، ولن نقبل لأحد أن يستعبدنا من دون الله".
وجاء هذا الاستهداف ليوجه رسالة واضحة للعدوان السعودي الذي ما زال يتوهم واهناً القدرة على إركاع الشعب اليمني.
هذا شعبٌ عجز عن إركاعه وسحقه أسياد هذا التنفيذ الإقليمي في واشنطن ولندن وكيان الاحتلال، ليثبت الميدان أن القرار اليمني بات يمانياً خالصاً، وأن لُغة الوصاية قد سقطت تحت أقدام الصمود الحاسم.
وكانت النتيجة على الأرض عكس تماماً ما توقعه العدوان السعودي؛ فحين قامت القوات المسلحة اليمنية بالرد الفوري والمباشر بقصف مطار أبها الدولي، تهاوت حسابات المراهنة على انكسار صنعاء، وجعلت النظام السعودي يهرع باحثاً عن طوق نجاة في أحضان الوساطة العمانية للخروج من مأزِق الرد اليماني المباغت.
وتأسيساً على هذا المتغير، تستند المعادلة اليمنية الحالية إلى ردع اقتصادي وعسكري شامل يتجاوز التصدي الميداني التقليدي إلى فرض خسائر متبادلة ومباشرة على العمق المستهدف.
حيث يقابل استمرار إغلاق أو استهداف مطار صنعاء الدولي، وحرمان المرضى والمسافرين من حقوقهم الأساسية، شلل تام سيصيب مطارات الطرف الآخر وعلى رأسها مطار الرياض.
وعنوان هذه المعادلة الأبرز هو "المطار بالمطار، والبنك بالبنك، والميناء بالميناء"، في رسالة علنية مفادها أن الأمن الجوي الإقليمي كلٌّ لا يتجزأ، وأن عواصم النفط والزجاج لن تنعم بالاستقرار طالما بقي اليمن تحت وطأة النار والحصار.
ولا يتوقف هذا الردع عند حدود الأجواء، ويقينًا يمتد ليشمل القطاع المصرفي والمالي الذي يمثل خطًّا أحمرَ في حسابات صنعاء، إذ إن أية خطوات تصعيدية تمس بقوت المواطنين أو تحاول خنق المفاصل المالية للدولة، ستواجه بضرب وتفكيك المنظومة المالية للطرف الآخر بالمثل، وتكتمل هذه الحلقة الثلاثية عبر الموانئ؛ فميناء الحديدة الذي يعد رئة اليمن الاقتصادية، يقابله في الحسابات العسكرية شلل كامل للموانئ المقابلة وتعطيل حركتها التجارية.
لقد أثبتت السنوات الماضيةُ من المواجهة أن كافة محاولات الإخضاع العسكري والاقتصادي قد تحطمت أمام وعي وإرادة الشعب اليمني، وأن مرحلة "الصبر الاستراتيجي" التي انتهجتها القيادة في صنعاء لإفساح المجال أمام السلام قد انتهت كلياً بعد أن جرى تفسيرها خطأً كحالة من القبول بالأمر الواقع.
ومن هنا جاء التفويضُ الشعبي المليوني ليعلِنَ بدايةَ عهد جديد لا يقبل فيه اليمنيون بـ "نصفِ سلام" أو هدن هشة تستمر فيها معاناة الحصار وتتوقف فيها الجبهات دون حلول جذرية للملفات الإنسانية والاقتصادية، مؤكداً أن الاستقواءَ بالقوى الدولية الكبرى كأمريكا وبريطانيا لم يعد يجدي نفعاً، فمن واجه الأساطيلَ والتحالفاتِ البحرية الدولية في البحر الرئيسي دفاعاً عن قضايا الأمة، هو اليوم أكثر قدرة وإصراراً على انتزاع سيادته وحقوقه بالكامل.
ومع استمرار هذه التحديات، تبقى المسؤولية الكبرى هي تحويل الصمود إلى بناء، وتحويل الوعي إلى عمل، وحماية المجتمع وتعزيز قيم التعاون والتكافل؛ لأن قوةَ الأوطان لا تكتمل إلا حين تجتمع فيها قوة الموقف مع قوة البناء، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾.
إن اليمنَ اليومَ يكتبُ صفحةً جديدة من تاريخه؛ صفحة عنوانها الحرية، ومضمونها الكرامة، وروحها الإيمان بالله، فالشعوب التي تعرف ربها ورسالتها لا تركع إلا لله، ولا تقبل أن تُسلب إرادتها، وسيظل المبدأ حاضرًا في وجدان اليمنيين بأننا لسنا عبيدًا إلا لله؛ وهي كلمة تختصر هُوية شعبٍ اختار العزة طريقًا، والكرامة نهجًا، والثبات مسؤولية، فالتاريخ لا يخلّد من استسلموا للضغوط، وإنما يخلّد الشعوب التي حفظت كرامتها في أصعب المراحل، وتمسكت بحقها، وصنعت من التحديات طريقًا نحو المستقبل.