▪️اللحظة التي يصبح فيها السلاح جريمة

في كُلِّ صراع طويل، هناك لحظةٌ واحدة لا تُقاس بالمعارك، بل هي تلك اللحظة التي يُطلب فيها منك أن تصبح أعزل بإرادتك، وأن تسلم أداة بقائك مقابل وعد مكتوب على الورق، وتُجبر على أن تقنع نفسك بأن الضمانة الدولية أقوى من الرصاصة.

وفي الوقت الذي تغيّرت فيه عناوين الضامنين عبر التاريخ، من بيعة وأمان في عهد الخلفاء، إلى منطقة آمنة في عهد الأمم المتحدة، إلى بناء الدولة في عهد الاحتلال والهيمنة، كانت هناك دائمًا نتائج ثابتة: «دماء تُهدر، وفراغ تملؤه الفوضى، وندم مؤجل».

هذا المقال ليس دفاعًا عن السلاح، هو قراءة في كود تشغيلي تكرر سبع مرات عبر التاريخ، ويُسمى اليوم «التجريد».

 

▪️الكوفة 67 هـ: تأسيس مذبحة الثقة

بعد استشهاد الإمام الحسين (ع)، خرج المختار الثقفي ليقتص من قتلة عائلة النبي (ص)، وهزمهم واحدًا تلو الآخر، لكن الصراع انتقل من الأمويين إلى الزبيريين الباحثين عن احتكار الخلافة.

وبعد معارك عديدة، عرضوا البيعة والأمان على جيش المختار مقابل نزع سلاحهم، وتم للزبيريين هذا الأمر، وبعدها مباشرة قطعوا رقابهم واحدًا بعد الآخر، وبدأت حملة لتصفية أنصار المختار في الأزقة.

من هُنا تأسست القاعدة التاريخية:

من يُسلِّم سلاحه في خضم الصراع وذروة المواجهة، إنما يوقع على شهادة إعدامه؛ فالثقة هنا وحدها لا تكفي ولا تحمي.

 

▪️بيروت 1982: وهم الضمانات الدولية

بعد حصار بيروت عام 1982، خرجت منظمةُ التحرير الفلسطينية من لبنان، وسلّمت كُلَّ أسلحتها الثقيلة، وكان المقابل تعهُّدًا أمريكيًّا وفرنسيًّا بحماية المدنيين في المخيمات.

وبعد أسابيعَ قليلة، كانت مجزرة صبرا وشاتيلا، التي راح ضحيتَها أكثرُ من 3000 ضحية من اللاجئين الفلسطينيين.

بيروت هنا أعطتنا الدرسَ العملي الأول:

الضمانة التي لا تحرسُها قوةٌ على الأرض هي عبارة عن سلاح الضعيف الذي لا يملك غيره.

ونزع سلاح المقاومة قبل قيام الكيان السياسي الحامي لها هو تفكيك للمشروع من الداخل.

 

▪️الطائف 1989: تجربة التفكيك الشامل

انتهت الحربُ الأهلية اللبنانية وفقَ ميثاق الطائف ببند مركَزي ينص على حَلِّ كل الجماعات المسلحة في البلاد، وأن تسلم سلاحها فورًا للدولة.

نُفذ البند مع الجميع، وبقي استثناء واحد، وهو سلاح حزب الله اللبناني.

وبعد 35 عامًا، كان هذا الاستثناء هو وحدَه الذي حفظ البلاد من الاحتلال الإسرائيلي، وبقي كورقة توازن إقليمي ذات قيمة كبيرة.

الطائف لم يبنِ دولةً قوية، ولم يثبت قاعدةً إستراتيجية معينة،

فقط مَن احتفظ بورقة القوة احتفظ بورقة الحماية، ومَن سلَّمها أصبح قطعةً أثرية في متحف مقبرة المشاريع.

 

▪️سربرنيتسا 1995: جغرافية الخديعة

في تموز 1995، أعلنت الأممُ المتحدة مدينة سربرنيتسا منطقةً آمنةً، بشرط نزع السلاح لمسلمي البوسنة، وبالمقابل هناك 400 جندي هولندي وغطاء جوي قادمان لحفظ الأمن فيها، وجاء الصرب، وخلال عشرة أيام فقط سقط 8000 قتيل من المسلمين أمام أعين قوات حفظ السلام الأممية.

ومن يومها أصبحت المدينةُ مصطلحًا استخباراتيًّا لوصف عمليات الفراغ الأمني والإبادة الجماعية.

 

▪️بغداد 2003: الانهيار المنظم

بقرار إداريٍّ واحد من بول بريمر، الحاكم (المدني) في العراق، تم حَلُّ الجيش العراقي وتسريح أربعمئة ألف مقاتل بمبررات بناء جيش وطني جديد.

وكانت النتيجة أن هذا الإجراء شكّل تفكيكًا للدولة العراقية، وفراغًا أمنيًّا هائلًا ملأته القاعدةُ ثم داعش، وتحول الضباط المسرَّحون إلى نواة للتمرد.

بغداد هنا علَّمتنا أنَّ

تفكيكَ المؤسسة العسكرية قبل بناء البديل المكافئ لها هو تفكيكٌ للسيادة ذاتِها، وهو أخطر من الاحتلال بكثير.

 

▪️طرابلس 2003: متلازمة التنازل الإستراتيجي

سلَّمت ليبيا برنامجَها النوويَّ والصاروخي بالكامل لأعدائها، مقابل رفع العقوبات عنها والعودة إلى المجتمع الدولي.

وبعد ثماني سنوات فقط، تحوَّلت الضماناتُ الدوليةُ نفسُها إلى أدوات للقصف الجوي والغزو والاغتيال.

ليبيا هنا أصبحت النموذجَ الكلاسيكي لمتلازمة التنازل الإستراتيجي، فتوهمتْ بأنها اشترت بسلاحها الأمان، لكن، كما نعرفُ جميعًا، فإنها ابتاعت لحظةَ الضَّعف التي ينتظرُها الخصوم، حتى صارت طرابلس مثلما نراها اليوم.

 

▪️معضلة التفكيك الأُحادي: الفراغ ثلاثي الأبعاد

منذ عام 2003، لم يكن العراق دولةً تبحثُ عن احتكار السلاح، لكن كان هناك فراغٌ ثلاثي الأبعاد: «احتلال مباشر، وإرهاب عابر للحدود، ودولة وليدة بلا أدوات».

في هذا الفراغ داخل العراق، لم تولد قوى المقاومة كخيار أيديولوجي، بل كـ«وظيفة أمنية اضطرارية» سدت ثغرةَ الردع المفقود.

في المرحلة الأولى، من 2003 إلى 2011، لم تطرد المقاومةُ الأمريكيين بالبندقية، لكنها جعلت كُلفةَ بقائهم باهظةً للغاية، فكان اتفاق الانسحاب عام 2008 نتيجة لتعرُّضهم لإنهاك إستراتيجي مستمر.

وفي المرحلة الثانية، من 2014 إلى 2017، تحولت قوى المقاومة إلى جِدار طوارئ وجودي،

بعد اجتياح داعش العراق، ولولا الحشدُ الشعبي لما بقيت بغداد، ولما بقي عراق نتفاوض على مستقبله اليوم.

وفي المرحلة الثالثة، من 2017 إلى 2026، أصبحت وظيفة الحشد الشعبي وحركات المقاومة «الردع الإقليمي»، فبوجود هذه القوى صار هناك طرفٌ قادر على تعطيل مشاريع الهيمنة الغربية، وبقي للعراق هامش نسبي من السيادة.

اليوم، هناك أصواتٌ تنادي بحل الحشد الشعبي وتجريدِه من السلاح، وهو منطقُ الدولة التي تمتلكُ أجهزةٌ أمنيةٌ مسلحةٌ وموازين ردع ثابتة، لكن الإشكال يكمنُ في سياق المعالجة الجذرية للهيمنة الأمريكية، ونعني هنا خروجُ قواتها، وإلغاء الاتفاقيات الأمنية معها، واستعادة السيطرة على الأجواء العراقية.

وما لم يحدث هذا، فإنَّ أيَّ حديث عن تسليم السلاح الآن هو تفكيكُ أُحادي الجانب، يعيد سيناريو 2003، فـ

لا يمكن لعاقل أن ينزعَ درعَه قبل أن يأمنَ سيفَ عدوه.

فالأداة، يا سادة، لا تُكسر قبل أن تُبنى أداة أقوى منها.

 

▪️معادلة السيادة المؤجلة

إذا جمعنا كُلَّ المحطات أعلاه، سنخرج بقانون واحد لا يتبدل، وهو:

لا توجد دولة في العالم تُبنى بالتجريد، بل تُبنى بخاصية الاستعاضة والاستبدال.

علمًا بأن السلاح ليس مقدسًا، لكن المسافة الزمنيةَ بين لحظة تسليمه ولحظة اكتمال البديل هي لحظة الموت، ما لم تُقدَّم ضمانات وجودية، مثل جيش مسلَّح تسليحًا متقدمًا، واستخبارات سيادية قوية، واقتصاد غير مرتهن للأجنبي، وخروج فعلي للمحتل.

عدا ذلك، فإن «حصر السلاح» هو إعادةُ إنتاج لجغرافية الخديعة المتكرَّرة عبر التاريخ، وعندها ستكون المحطة التالية في هذا الزمن الأغبر هي نحن.