{يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَ آمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَ يَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَ يَغْفِرْ لَكُمْ وَ اللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ}

لم تعرف أمة بلغت ذروةَ المجد وهي ممزقةُ الصفوف، ولا دولة حقّقت أمنَها وهي تستنزف قواها في صراعات داخلية.

فالتاريخ شاهد بأن أعظم الهزائم بدأت عندما غاب العقل، وحضر الهوى، وتقدمت الخصومات على المصالح العليا.

إنّ أثمن ما مُنحت به البشرية من نعم الخالق سبحانه وتعالى هو العقل؛ فهو الميزان الذي تُوزن به العواقب، والحصن الذي يتحصن به الحكماء عند الشدائد والنوائب.

وقد جاء الدين الحنيف ليجعل من الوحدة والأخوة والتضامن أساساً متيناً لبناء الأمة وصيانة عزتها، قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾؛ فالاعتصام والتآزر هما السبيل الوحيد للفلاح والنجاة، بينما التقاطع والتشرذم واللجوء إلى حصار اليمن لأكثر من عشرة أعوام إنما يُعَدُّ مدخلاً للضعف والهوان يستفيد منه أعداء الإسلام.

 

آفة الهوى وتغييب العواقب

حين يستبد الهوى بالقرارات السياسية، يغيب منطقُ الحكمة، وتتعطل القدرة على استشراف العواقب.

فالهوى إذا خالط إدارة شؤون الأمم أفسدها؛ لأنه يحجب البصيرة ويُقدّم المنافع الضيقة والعواطف العابرة على المصالح الاستراتيجية الكبرى للأمة.

إنّ النظر في عواقب الأمور ليس خياراً ثانوياً، وإنما هو جوهر الرشد؛ وإذا امتدت يد القطيعة أو الحصار بين أبناء الأمة الواحدة والجيران في الدين والدّم، فإن الخاسر الأكبر هو الجسد الواحد الذي يُفترض أنه إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.

"ليس للأمور بصاحب من لم ينظر في العواقب" — مثل سائر يُلخّص فلسفة الحكمة في قيادة الأزمات.

 

الحكمة والإيمان: ثبات في وجه التحديات

لقد أثبتت التجارب التاريخية أنّ الشعوب المتمسكة بأرضها وعزتها، والمستندة إلى إيمانها وحكمتها، قادرة على الابتكار والاعتماد على الذات مهما بلغت شدة الظروف الاقتصادية أو العسكرية، وهو ما أثبته اليمن في سنوات الحصار؛ لأن توجيه الطاقات والقدرات العقلية والعلمية نحو بناء القوة الذاتية والصمود، يُعبّر عن أصالة المنهج ووعي العواقب.

وفي المقابل، فإنّ من أعظم الأخطاء التي تقع فيها بعض السياسات الإقليمية هو الانشغال بالخلافات البينية بين الإخوة والجيران، في الوقت الذي تتربص فيه التحديات الكبرى بالأمة ومقدساتها.

إنّ التغاضي عن القضية المركزية للأمة، وعلى رأسها القدس الشريف والمسجد الأقصى، والاستغراق في صراعات داخلية، يُضعِفُ الموقف العربي والإسلامي ويمنح القوى الخارجية فرصة فرض إرادتها وتمرير مخططاتها.

وهو الأمر الذي حصل في فلسطين ولبنان وإيران الإسلامية، عندما حوصرت اليمن

 

نداء إلى العقل والضمير

إنّ الصوابَ والخيرَ العميم للأمة لا يتحققان بالإصرار على النهج الذي يُعمّق الجراح، بل بالمراجعة الشجاعة والعودة إلى جادة الصواب.

فالقوة الحقيقية للبلدان والشعوب لا تتجلى في إلحاق الضرر بالجار أو الشقيق مهما كانت الظروف، فالجميع أمة واحدة: {وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَ أَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ}

• إعلاء صوت الحوار: تغليب لغة التفاهم والسلام على لغة الصراع والحصار.

فرفع الحصار عن اليمن يمثل خطوة شجاعة تعيد للأمة ثقتها بقيادتها وتشعرها بأواصر القربى وعملا بقول الحق سبحانه وتعالى: {يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَ بَثَّ مِنْهُما رِجالاً كَثِيراً وَ نِساءً وَ اتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَ الْأَرْحامَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً}.

ومن شأن رفع الحصار وفتح باب الحوار أن يهيئ مناخاً يسهم في معالجة أسباب التوتر، ويقود إلى استقرار الملاحة والأمن الإقليمي.

• رأب الصدع القومي والإسلامي: توحيد الجهود لمواجهة المخاطر الخارجية المحدقة بالجميع هو الحل السليم والطريق المستقيم.

• نبذ الهوى وتغليب العقل: استحضار مقاصد الشريعة التي جاءت لحفظ النفوس، والأموال، والأعراض، وبناء العمران هو دأب الإخوان وسبيل الأمن والأمان.

إن التاريخ لا يرحم القرار المبتور عن الحكمة، والعقول السليمة هي التي تصحح مسارها قبل فوات الأوان.

نرجو أن تتجلى الحكمة، وأن تعود الأمة إلى وحدة صفها، ليتحقق الأمان والاستقرار والرفعة لكل أبناء ديار المسلمين.

وإذا كانت السياسة ميداناً لتعارض المصالح، فإنها لا تستغني عن ميزان الحكمة؛ إذ لا خير في سياسة تقودها الأهواء، ولا في قرار يبنى على الانفعال ويهدم جسور الأُخُوَّة.

وقد ذم القرآن اتباع الهوى، فقال تعالى: ﴿إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ﴾؛ لأن الهوى يعمي البصيرة، ويجعل الخصومة غاية، والانتقام منهجاً، فتضيع الحقوق وتكثر المظالم.

ولا يختلف اثنان على أن ما عاناه اليمن خلال سنوات الحرب والحصار خلّف معاناة إنسانية واسعة، أصابت المدنيين وأثقلت كاهل المجتمع، وكان الأولى بكل ذي قدرة أن يسعى إلى رفع الضرر، وإطفاء نار الصراع، وتقديم الحلول التي تحفظ الدماء وتصون الكرامة الإنسانية.

فالأمة التي يجمعها دين واحد وتاريخ واحد، ينبغي أن تجعل الحوار سابقاً للقطيعة، والعدل مقدماً على الغلبة، والإصلاح مقدماً على الإفساد.

وما أحوجَ العالم العربي والإسلامي اليوم إلى مراجعة صادقة، تعيد ترتيب الأولويات، وتجعل بُوصلة الأمة متجهة نحو نهضتها ووحدتها، بدلاً من استنزاف طاقاتها في صراعات لا رابح فيها.

فالعقل الرشيد يبني ولا يهدم، ويجمع ولا يفرق، ويزن الأمور بعواقبها لا بلحظاتها.

وليس المقصود من الدعوة إلى الحكمة إلغاء القوة، وإنما تهذيبها بالعدل، ولا إبطال الحزم، وإنما توجيهه إلى ما يحقق المصلحة العامة.

فإن القوة إذا صحبتها الحكمة كانت حصناً للأوطان، وإذا فارقتها الحكمة غدت عبئاً على أصحابها قبل خصومهم.

ولن يكون للأمة مستقبل يليق بتاريخها حتى تعود إلى المبادئ التي أرساها الإسلام: العدل، والشورى، والرحمة، وصيانة الدماء، والوفاء بالعهود، والتعاون على البر والتقوى.

فبذلك تُحفظ الكرامة، وتُصان الأوطان، وتُبنى الحضارات، ويصبح اختلاف الرأي طريقاً إلى الرشد، لا سبباً للعداوة والفرقة.

وما أحوج الأمة الإسلامية السعي إلى تحرير الأقصى الشريف والوقوف في وجه الصهيونية، التي قتلت عشرات الآلاف من الفلسطينيين، ودمرت الديار في لبنان، واعتدت على الشعب الإيراني المسلم في إيران، حتى تستعيد الأمة قوتها وعزتها.

فنسأل الله أن يؤلف بين قلوب المسلمين، وأن يجنبهم الفتن، وأن يرزق قادتهم وشعوبهم الحكمة والبصيرة، وأن يجعل العدل أساس السياسات، والرحمة عنوان العلاقات، حتى تعود للأمة قوتها ومنعتها، وتعيش شعوبها في أمن وكرامة وسلام.

إن الأمم لا تنهض بالشعارات، وإنما تنهض بالعقل، والعدل، ووحدة الصف، وإعلاء المصالح الكبرى على الخلافات الطارئة.

وإذا كان التاريخ قد أثبت أن الفرقة بداية الضعف، فإنه أثبت كذلك أن اجتماع الكلمة هو أول طريق القوة والسيادة.

وما تزال أمام الأمة فرصة لتصحيح المسار، إذا قُدِّمت الحكمة على الهوى، والحوار على القطيعة، والمصلحة العامة على الحسابات الضيقة.

{وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ}.

* عضو رابطة علماء اليمن