يبدو أن داء الحماقة قد استحكم في نفس النظام السعودي المستكبر، حتى أعماه عن رؤية الحقائق المتجلية، والمتغيرات والوقائع المتحققة على الأرض.

ورغم أن هذا النظام المتغطرس لم يجنح إلى خفض التصعيد - في عدوانه على اليمن - إلا تحت ضغط القوة العسكرية، وضربات الجيش اليمني المؤلمة، التي طالت بعض منشآت الضرع الحلوب "أرامكو"، كضربات تحذيرية فقط، ولم تكن بقصد الفعل التدميري، في رسالة يمنية إلى النظام السعودي مفادها أننا نمتلك القوة اللازمة، والقدرة الكاملة على الفعل، وأن جميع المنشآت النفطية والحيوية والاستراتيجية هي أهداف مشروعة لصواريخنا ومسيراتنا، الأمر الذي جعل العدو السعودي يعلن خفض التصعيد ويطلق مسار الدبلوماسية والمفاوضات، ظنًا منه أنه سيحقق من خلال هذا المسار ما لم يحققه في المسار العسكري.

وأكثر من ربع مليون غارة تركت بصماتها الإجرامية وطبيعته الوحشية ماثلة على الحجر والشجر والبشر، بقيت وستبقى عبر الزمن في ذاكرة وقلوب الأجيال.

ولم تكن فترة خفض التصعيد والمفاوضات سوى حرب أشد ضراوة، غير معلنة، مارس من خلالها العدو السعودي أبشع وأقذر وأحط الاستهدافات والاختراقات، ناهيك عن اللعب على عامل الزمن بواسطة ورقة الدبلوماسية والمفاوضات، التي جعلها وسيلة لمفاقمة وزيادة معاناة ومأساة أبناء الشعب اليمني، الذين لم يرفع عنهم حصاره الجائر، ولم يكف عنهم شروره وجرائمه.

وكلما تقدمت المفاوضات خطوة إلى الأمام، خاصة في الملف الإنساني، أعادها العدو السعودي عشر خطوات إلى الوراء، وكلما لاحت بارقة أمل في ليل الحلول السياسية، أعاد العدو السعودي عقارب الساعة إلى الوراء، معلنًا بداية الليل وحلكة ظلامه، في تنكر معلن، وتنصل واضح عن جميع التزاماته، التي تفرضها عليه المفاوضات واستحقاقات السلام الدائم، جاعلًا من المراوغة والتهرب من الاستحقاقات الواجبة عليه استراتيجيةً سياسيةً في استكمال مشاريعه العدوانية ضد أبناء الشعب اليمني.

ذلك المستوى من الغباء والحمق والغطرسة جعل العدو السعودي يعتقد أنه سيمضي في مشروعه الصهيوني الاستعماري إلى النهاية، وأن قبوله بالدخول في المفاوضات وخفض التصعيد كفيل بتقييد أبناء الشعب اليمني الأحرار من اتخاذ جميع الوسائل والطرق المشروعة الممكنة في رفع الحصار الاقتصادي الجائر، وتداعياته الكارثية المأساوية بحق الملايين الذين أصبحوا تحت خط الفقر، وانتزاع الحقوق والثروات الوطنية، وتحرير ما تبقى من تراب الوطن من وجود المحتل السعودي المتصهين، وحلفائه وأسياده أمريكا وكيان الاحتلال.

لم يتورع العدو السعودي المستكبر الأحمق عن إعلان صهيونيته ويهوديته دون حياء، وهو الذي يدعي الإسلام وحماية وخدمة الحرمين الشريفين، وخاصة بيت الله الحرام، ﴿وما كانوا أولياءه﴾، لأنهم كشفوا عن حقيقتهم الماسونية الصهيونية، من خلال تنديدهم بموقف اليمن المساند لغزة ضد كيان الاحتلال الإسرائيلي الغاصب، والنظام الأمريكي المتصهين، في معركة الفتح الموعود والجهاد المقدس، حيث سارع العدو السعودي إلى إدانة حصار القوات المسلحة اليمنية للملاحة الإسرائيلية والأمريكية في البحر الأحمر والبحر العربي وباب المندب، مرددًا مقولات المجرم "نتنياهو" والكافر "ترامب"، بأن القوات المسلحة اليمنية تهدد أمن الملاحة العالمية، وأن حصارها السفن الإسرائيلية والأمريكية عمل عبثي لا طائل تحته، سوى خدمة أجندة ومصالح خارجية، غير مكترث بموقفه المخزي، وهو ينصب نفسه وكيلًا للكيان الإسرائيلي الغاصب، ومدافعًا عنه وعن مشاريعه الشيطانية الإجرامية، ومؤيدًا لعمليات الإبادة الجماعية الشاملة في غزة، ومناصرًا لمشروع تغيير خارطة الشرق الأوسط، وصولًا إلى مملكة (إسرائيل الكبرى).

يمكن القول إن الغباء الفطري والاستكبار المكتسب، المتغلغل في نفس النظام السعودي و"أناه" المتعالية المتضخمة، قد حجب عن عقله إمكانية فهم حقيقة الموقف اليمني، وصمَّ أذنيه عن سماع شرط الإسناد اليمني، الذي لن يتوقف إلا بإيقاف العدوان ورفع الحصار عن إخواننا المسلمين من أبناء غزة، وهي الجملة التي لم يخلُ منها بيان عسكري، ولم يتوقف حظر الملاحة الإسرائيلية والأمريكية إلا بعد وقف العدوان الإسرائيلي الفاشي على غزة، وإعلان المجرم الإسرائيلي - مرغمًا - وحلفائه القبول بالمفاوضات، وتبادل الأسرى، ودخول المساعدات.

ويبدو أن عقدة الغباء والاستحمار السعودي قد أعمت عينيه - أيضًا - عن رؤية ذلك، فمضى مستكبرًا في ذات مشروعه العدواني، إمعانًا في عقاب الشعب اليمني، بشكل أكبر وأوسع، بإيعاز من أسياده الصهاينة والأمريكيين، من خلال التنصل عن التزاماته في المفاوضات، وتشديد حصاره، وتحريك أوراق عملائه ومرتزقته في الداخل والخارج.

خرجت الجماهير الشعبية المليونية، معلنة رفضها السلوك العدواني السعودي، ومستنكِرة مراوغته وتهربه من استحقاقات السلام، ومفوِّضة القيادة الثورية، ممثلة بسماحة السيد القائد عبدالملك بدر الدين الحوثي - حفظه الله - والقيادة السياسية والقوات المسلحة، باتخاذ القرار المناسب لانتزاع حقوق وحرية الشعب اليمني، وكسر الحصار الاقتصادي الظالم، معلنة جاهزيتها العالية، واستعدادها الكامل والمطلق، لمواجهة جميع الخيارات، وتلبية أمر السيد القائد - حفظه الله - الذي أعلن عن معادلة كسر الحصار، محذرًا العدو السعودي من عواقب الوقوف ضد إرادة الشعب اليمني، أو القيام بأي عمل عدواني.

لكن الحماقة كانت سيدة السلوك الإجرامي السعودي، حيث أقدم على قصف مطار صنعاء، ومنع الطائرة الإيرانية من الهبوط، بينما كانت تقل المرضى والعالقين والوفد الرسمي المشارك في تشييع شهيد الأمة القائد الجهادي الكبير السيد علي خامنئي، رضوان الله عليه.

كان استهداف القوات المسلحة اليمنية مطار أبها بمثابة الضربة التحذيرية لمملكة الإجرام السعودية، وترجمة فعلية لمعادلة الردع التماثلي: المطار بالمطار.

وكان استهداف سفينتين من ناقلات النفط السعودية العملاقة، على أيدي القوات المسلحة اليمنية، تجسيدًا واستجابة لرغبة الشعب في كسر الحصار، وتطبيق معادلة الحصار بالحصار.

لكن عقدة الأنا المتضخمة، المشبعة بعقدة الاستكبار والغباء والحمق المستفحل، جعلت العدو يمضي إلى ما هو أبعد، وكأنه يريد تجريب معادلة الردع التماثلي في جميع جوانبها ومظاهرها، فلجأ إلى قصف منشآت خدمية تابعة لشركة الاتصالات في ميناء ومدينة الحديدة، ليأتي رد القوات المسلحة اليمنية بقصف مينائي جيزان وينبع الاستراتيجيين، بوصفهما المتنفس الأخير لمملكة الشر والإجرام، بعد إغلاق مضيق هرمز، وهو ما يعكس حالة متقدمة من الغباء المستفحل، والاستحمار المتأصل، وغياب أدنى مظاهر الرشد أو الحكمة.

فلا يمكن لمن يمتلك ذرة من العقل أن يخوض حربًا انتحارية، وأن يكون ضحية مجانية على مذبح الدفاع عن العدو الإسرائيلي والأمريكي.

ومما لا شك فيه أن إصرار العدو السعودي على ممارسة هذا الغباء والحمق الاستكباري المتعالي سيؤدي إلى سقوطه وسرعة زواله، فهل سيعي العدو السعودي هول ما هو مقدم عليه بقليل من تحكيم العقل، أم سيمضي بغبائه وحمقه إلى حتفه المحتوم؟