أنظمةُ الخنوع والارتهان في سعودية بن سلمان وتركيا أردوغان، وثالثهما نظام باكستان، وقّعوا في مكة المكرمة ما يتم الترويجُ له اليوم في الإعلام بالناتو الإسلامي؛ تيمّنًا من أنظمة الانبطاح والتبعية بناتو الاستكبار الغربي، الذي يعد نظامُ أردوغان طرفًا فيه، ويصف البعض ما خرج به ثلاثيُّ النفاق بالناتو السني، ويتساءل البعض الآخر عن التوقيت الزماني والمكاني للإعلان عن ناتو الجبناء؟ وفي مواجهة مَن مِن الأعداء؟

والواضح -وفقًا لمعطيات الواقع- أن مسمى اتفاقية الدفاع المشترك مرتبط بعاملين اثنين لا ثالث لهما:-

الأول: الإجراءات التي فرضها الشعب اليمني عبر قواته المسلحة في البحر الأحمر ومضيق باب المندب على سفن النظام السعودي، بسبب عدوانه وحصاره الظالم الذي تجاوز عقدًا من الزمان، لتثبيت معادلة (الحصار بالحصار) على أرض الواقع.

والعامل الثاني: الفشل الأمريكي الخليجي الذريع في مواجهة الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وإفصاح الإدارة الأمريكية عن خيبة أملها في عدم القدرة على إخضاع الجمهورية الإسلامية بالقوة العسكرية، وضرورة اللجوء إلى طرق إبداعية تجنب الإدارة الأمريكية استنزاف قدراتها العسكرية الهجومية والدفاعية.

وتلبيةً لهذين العاملين، سارعت أنظمةُ العمالة والارتهان، في السعودية وتركيا وباكستان، لإخراج مسمى اتفاقية الدفاع المشترك إلى حيز الوجود خدمةً لسيدهم ومشغلهم، الذي سيتعرض لأزمة داخلية شديدة، وسيعاني الأمرين من تعثر تدفق واردات الطاقة عبر مضيقي هرمز وباب المندب.

والواضح أن العاملين الدافعَين لثلاثي الارتهان للإعلان عن مسمى متعلقان بتراجع إمدادات النفط إلى الأسواق العالمية، وعلى رأسها الغربية.

وما سيسببه هذا التراجُعُ من تذمُّرٍ ومشاكلَ داخلية في الدول الغربية، لذلك اندفع أقزام أنظمة التبعية لخدمة سيدهم ومحاولة التخفيف من الآثار السلبية عليه المترتبة على انخفاض الإمدادات النفطية.

وهذا الثلاثي التابع والمنبطح والمتفاخر بما لدى النظام السعودي من قوة اقتصادية، وما لدى النظام التركي من قدرات تكنولوجية، وما لدى النظام الباكستاني من قوة ردع عسكرية نووية، وأن هذه العوامل الثلاثة مجتمعة يمكنها أن تحقق الردع الدفاعي، حسب زعم هذا الثلاثي المندفع.

والمفارقة العجيبة والغريبة أن هذا الثلاثي لم يكتشف هذه المؤهلات المهمة إلا مع انخفاض تدفق إمدادات النفط، ولم يكتشفها مع ارتفاع تدفق شلالات الدم في غزة منذ سنة 2023 وحتى اليوم، رغم بلوغ عدد الشهداء أكثر من خمسة وسبعين ألفًا، وفقدان جميع سكان غزة لمساكنهم وأعمالهم، وجميع ممتلكاتهم؛ بسبب تعرض مدينتهم للتدمير الكلي من جانب كيان الاحتلال الصهيوني المجرم، الذي قابله النظام الباكستاني بصمت مطبق، وقابله النظامان السعودي والتركي بتعاون كامل معه، وفرا له كل أسباب الهدوء والاستقرار الداخلي، لتخفيف آثار الحظر الاقتصادي الذي فرضه الشعب اليمني على وارداته عبر البحر الأحمر، وبذلك الإسناد السعودي التركي تجاوز كيان الإجرام الصهيوني الأزمة الاقتصادية التي كادت تعصفُ به، وتفرغ جيشَه المجرم لتدمير غزة وإبادة سكانها.

ويأتي موقف ثلاثي أنظمة النفاق السعودي التركي الباكستاني تجسيدًا لما سبق للمجرم نتنياهو أن صرح به في خطاب له أمام مؤتمر (الإرهاب في سياق متغير) المنعقد في المركز الأكاديمي المتعدد المجالات في "هرتسيليا" بتاريخ 12/9/2014، قائلًا: (إن "إسرائيل" والدول السنية ليسوا على طرفي نقيض)، وقوله: (إن "إسرائيل" تقف إلى جانب الدول السُّنية، وأن هذه الدول باتت تدركُ أن "إسرائيل" ليست عدوةً لها).

ولو كان لثلاثي أنظمة النفاق السعودي والتركي والباكستاني أدنى ارتباط أو صلة حقيقية بالإسلام، لما التزم الأخيرُ موقفَ الصامت المتفرج في وجه النداءات والاستغاثات من أطفال ونساء وشيوخ غزة، ولما قدم نظيراه التركي والسعودي كل الدعم والإسناد لكيان الإجرام الصهيوني، وهو يدمر غزة ويبيد سكانها.

ولو لم تكن صفةُ النفاق منطبقة تمامًا على الأنظمة الثلاثة، ومستحقة لها، لتحركت بقوة ردعها النووية، وتأثير قوتها الاقتصادية، وقدرتها التكنولوجية، لإنقاذ أبناء الشعب الفلسطيني مما تعرضوا له ولا يزالون حتى اليوم من إبادة جماعية في قطاع غزة والضفة الغربية، وما يتعرض له شعب لبنان من عدوان وإجرام، وما تتعرض له الجمهورية الإسلامية الإيرانية من حرب عدوانية، لكنهم، على العكس من ذلك، ساندوا كيان الإجرام الصهيوني ضد إخوانهم من أبناء الشعبين الفلسطيني واللبناني، وجعلوا من أراضيهم منطلقًا للحرب العدوانية الإجرامية الصهيوأمريكية ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية.

فأين هو ارتباطهم بالإسلام؟ وأين هو التزامهم بتعاليم القرآن الكريم؟ وما فرضه على المسلمين من واجبات؟ وأين هم من تعاليم نبي الإسلام عليه وعلى آله أفضل الصلاة وأزكى السلام، حين قال: (مَنْ أَصْبَحَ لَا يَهْتَمُّ بِأُمُورِ الْمُسْلِمِينَ فَلَيْسَ مِنْهُمْ، وَمَنْ سَمِعَ رَجُلًا يُنَادِي يَا لَلْمُسْلِمِينَ فَلَمْ يُجِبْهُ فَلَيْسَ بِمُسْلِمٍ).

ولا يختلف من ابتلعوا ألسنتهم من علماء بلاط ثلاثي أنظمة النفاق عن علماء بني إسرائيل الذين وصفهم الله سبحانه وتعالى بالحمير في قوله تعالى: (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا ۚ بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ ۚ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ).

وأما عن اختيار مكة المكرمة لتكون عنوانًا لما خرج به ثلاثي النفاق، فإن ذلك يرجع إلى حالة الانكشاف التي وصل إليها ثلاثي هذه الأنظمة، اعتقادًا منهم أن رمزية مكة المكرمة ومكانتها لدى الشعوب الإسلامية يمكن أن تستر عوراتهم، وتغطي ما انكشف من نفاقهم، وعلى رأسهم رئيسهم بن سلمان الذي حوَّل بلاد الحَرَمَين إلى مرتع خصب للفسق والعهر والفجور.

والمؤكد أن رمزيةَ المكان لن تفيدَ ثلاثي النفاق في أسلمة ما توصلوا إليه من اتفاق، ولن تكون مكة المكرمة قابلة لتغطية ما كشفته الأيام من فسق وظلم وفجور نظام بن سلمان، كما لم تُفِد رمزية مكة المكرمة أسلافه من كفار قريش، حين علقوا وثيقة حصار ومقاطعة بني هاشم في جوف الكعبة، بل فضحتهم وخذلتهم وأزالت سلطتهم ونفوذهم.

ولله عاقبة الأمور.