البعثة المحمدية الشريفة أكبر من حادثة زمنية مؤطرة في التاريخ، هي انطلاقة لناموس إلهي حاسم أعاد هندسة موازين القوة، وأسّس لمفهوم الردع العقائدي الذي يكسر الهيبة المادية لطواغيت العصر.

قال الله جل جلاله: ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾.

إن هذا المنظور القرآني الصارم يمثل الشفرة الفكرية التي تجرد الاستكبار العالمي من سلاح الحرب النفسية، وتلغي أوهام التفوق التكنولوجي أمام اليقين الميداني الصادق.

تتضح الأبعادُ الاستراتيجية للمولد النبوي الشريف في صياغة المعادلة غير المتماثلة؛ حيث لا تُقاسُ فاعليةُ الأمة بتطور ترسانتها العسكرية، وإنما بمستوى ارتباطها الإيماني واسترخاصها للتضحية في مواجهة المستكبرين، كما يقرر المثل العربي الخالد: «أَعَزُّ مِنْ خَافِقِ اللِّوَاءِ»، وفي حتمية المواجهة يصدق القول: «لَا يَفُلُّ الْحَدِيدَ إِلَّا الْحَدِيدُ».

ومن هذا الواقع التعبوي، يبرز الموقفَ اليماني المعاصر كبصيرة حية تصنع الفارق القيادي وتدك أوهام الهيمنة؛ إذ كيف لأمة تستمد روحيتها من السيرة النبوية والموقف العلوي أن تقف موقف المتفرج أمام العربدة الأمريكية الصهيونية، أو تتخلى عن مساندة مستضعفي غزة؟

إن الربط المباشر بين ذكرى المولد الشريف والميدان الجهادي ينفي الاستكانة، ويفجر طاقات الاستبسال في وجه أئمة الكفر.

فالسيادة الوطنية والكرامة الإيمانية لا توهبان في أروقة المنظمات الدولية، فقط تُنتزعان ببأس السلاح وبصيرة الميدان، تماماً كما يعبر عنه المثل الشعبي اليماني الأصيل: «مَنْ يِرْتَجِي السَّالِمْ مِنْ السَّارِقْ، أَمْسَى بِلا دِرْعْ وَلا بَارِقْ».

إن الفشل الذريع للأساطيل الغربية في الممرات البحرية هو التجسيد الميداني لآيات الرعب، والثمرة العملية لليقين المحمدي الذي يكسر كبرياء التحالفات العدوانية.

إن المولد الشريف هو الاستنفار العقائدي الذي يصنع التحول الجذري في وجه الجاهلية المعاصرة؛ إذ يثبت الشعب اليمني العظيم بأصالته ووعيه القرآني أن إرادة الشعوب المؤمنة أقوى من الترسانات الاستكبارية.

إنها الصدمة الرسالية التي تعيد ترتيب واقع الأمة، وتعلن بزوغ عهد التحرر الشامل والأمة الشاهدة.