تحلّ علينا ذكرى المولد النبوي الشريف كل عام، حاملةً في طيّاتها استعادةً لأعظم حدث غيّر وجه التاريخ الإنساني؛ حين انبلج نور الرسالة المحمدية الخاتمة على واقعٍ تغلغلت فيه ظلمات الجاهلية من شركٍ وطغيانٍ وعصبيةٍ واستبدادٍ وفتنٍ متلاحقة، فجاء النبي محمد -صلى الله عليه وآله وسلم- برسالةٍ أرست كرامة الإنسان، وأقامت الحكم على العدل، وربطت القوة بالمسؤولية، والمجتمع بالقيم النبيلة.
غير أن الاحتفاء بهذه الذكرى لا ينبغي أن يظل حبيس استحضار لمناسبةٍ عظيمة فحسب، وإنّما هو تجديدٌ للعهد بالمنهج المحمدي في القول والفعل والموقف، وترجمة لمعانيه في واقعنا المعاصر، ومن ثم تبرز ضرورة المقارنة بين الجاهلية الأولى وجاهلية الحاضر؛ فالجاهلية أو قبل مولده الشريف، هي حالة روحية وفكرية تعاود الظهور كلما ابتعد الإنسان عن جوهر العدل والرحمة والحق، وإن تنوعت مظاهرها وتعددت أدواتها.
وعانت الجاهلية الأولى من انهيارٍ شامل في بنية القيم؛ فاستشرت العصبية القبلية، وتضخّم التفاوت الطبقي، وتسلّط الأقوياء على الضعفاء، وأصبحت القوة هي الفيصل في إرادة الناس، وفي خضم هذا الواقع المرير، بعث الله محمدًا -صلى الله عليه وآله- برسالة التوحيد والعدل، يعلن أن لا سُبْقَةَ للمال أو النسب أو الجاه، وإنّما التفاضل بالتقوى والعمل الصالح.
ولم تكن هذه الرسالة مشروعًا دينيًّا منعزلًا عن واقع الحياة، فقد كانت منظومةً متكاملة لبناء الفرد والمجتمع، تصدّت للظلم، ودافعت عن المستضعفين، ودعت إلى التكافل، وحاربت الاستعلاء والعنصرية والعصبية.
وإذا كانت الجاهلية الأولى قد اتخذت أشكالاً بدائيةً من القهر والاستعباد، فإنّ جاهلية اليوم تبدو أكثر تعقيدًا وتموضعًا؛ إذ تستثمر التكنولوجيا الفائقة، والإعلام الموجّه، والاقتصاد المهيمن، والقوة العسكرية الطاغية، في إعادة إنتاج أنماطٍ مستحدثةٍ من الهيمنة والاستغلال.
إن الجاهلية الحديثة قد لا تكون في صورة صنم يُعبد من حجر، وإنّما قد تتمثل في عبادة القوة والمصلحة والمال، وفي تحويل الإنسان إلى رقم في حسابات السياسة والاقتصاد والحروب، وفي التعامل مع الشعوب وفق معايير مزدوجة تجعل حياة البعض ذات قيمة، بينما تُهدر حياة الآخرين دون اكتراث.
ففي عالمٍ تمتلك فيه البشرية وسائل اتصال غير مسبوقة، وتقنيات متطورة، ونظمًا سياسية واقتصادية بالغة التعقيد، لا تزال مشاهد الحروب والاحتلال والتهجير والتجويع وانتهاك حرمة المدنيين حاضرةً بقسوةٍ كما هو الحال في فلسطين تفضح أخلاقيات هذا العصر.
وهُنا يطرح السؤال نفسه بجرأة: ما جدوى التقدّم الماديّ إن لم يصحبه نضج أخلاقي وإنساني؟
وبالتالي؛ تصبح ذكرى المولد النبوي مناسبة لإعادة قراءة واقعنا، لا مجرد مناسبة للاحتفال بالماضي؛ فحين نستحضر شخصية النبي الأكرم، نستحضر نموذج القائد الذي جمع بين الرحمة والحزم، وبين العبادة والمسؤولية، وبين الأخلاق والموقف، وبين الإيمان والعمل قال تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ}؛ فالاقتداء به لا يكون بكثرة الحديث عنه فقط، وإنّما بتحويل سيرته إلى سلوك ومواقف وقيم حاضرة في حياتنا، وأن نكون صادقين في تعاملاتنا، عادلين في أحكامنا، رحماء فيما بيننا.