حدثني والدي -رحمة الله عليه- يومًا فقال: إن للمرء في هذه الدنيا مالًا قد يفنى، ودارًا قد تُهدَم، وجاهًا قد ينحسر، ولكن له شيئًا واحدًا إذا خسرهُ لم يُغنه عنه مالٌ ولا جاه؛ إنه عرضٌ يصونه، واسمٌ يحفظه، ووطنٌ لا يخونه.
وما رأيتُ شيئًا أهونَ على النفوس الخبيثة من العهد إذا لاح الذهب، ولا أسرعَ إلى بيع المبدأ إذا حضر الثمن؛ فإذا أقبلت الريالات والدراهم والدولارات على باب أحدهم، خرج الوفاء من النافذة، ودخل الطمع من الباب.
وإذا لوّح له العدوّ بوعدٍ في منصبٍ أو مال، كفر بحليب أمه، ونسي خبز وطنه، وغفل عن أهله، وأصبح يرى القريب بعين الخصومة، والعدوّ الأجنبي بعين المودة والولاء.
وهُنا تبدأ الحكاية..
لا تبدأ الخيانة غالبًا بشجارٍ مدوي، ولا بقرارٍ عقيم؛ إنما تبدأ بهمسة: "هيا لا تبقى أخضع"، "قع ذيب"، "أيش من ضرر؟"، ثم تتبعها أخرى: "يا أخي الجميع يفعل هذا"، ثم ثالثة: "إنها مصلحة.. أيوه مصلحة.. بزنس إز بزنس"، حتى يصبح ما كان يستحي منه بالأمس أمرًا يفاخر به اليوم.
وهكذا، لا يسقط الإنسان من شاهق الخيانة دفعةً واحدة؛ وإنما ينحدر إليها درجةً درجة، حتى إذا بلغ قاعها التفت حوله فلم يجد من نفسه إلا اسمًا بلا تاريخ، ووجهًا يستحي النظر في المرآة.
قالوا قديمًا: "من هانت عليه نفسه، هان عليه كل شيء"، وما أصدق هذه الحكمة؛ فإن أعظم الخسائر ليست أن يخسر المرء مالًا، ولا أن يفوته منصب، ولا أن يضيع عليه حظ من حظوظ الدنيا؛ إنما الخسارة أن يستيقظ ذات صباح فيجد أنه صار غريبًا عن نفسه، عن أهله، عن وطنه، حتى عن دينه، وسيستمر هكذا إلى أن يموت خارج بلده، ويُدفن في غير أرضه.
كان يأكل، ولكن لا يشبع.. يضحك، لكن لا يفرح.. يملك الكثير، ولكن لا يعتز بنفسه.. ويختبئ من الناس، لأن عينه لا تقوى على نظراتهم؛ فأي مالٍ هذا الذي يُشترى به هذا العذاب؟ وأي صفقةٍ تلك التي يكون رأس مالها الكرامة؟
يا من تلوح لك يدٌ بالمال، لا تنظر إلى ما في الكف قبل أن تنظر إلى ما وراءها، فليست كل يدٍ تمتد إليك تريد أن تصافحك، بعضها يريد أن يقيس ثمنك، وليس كل من يقول لك "نحن نريد مصلحتك" صادقًا في قوله؛ فقد يريد مصلحته فيك، لا مصلحتك أنت.
وليس كل من يرفع شعار العدل والصلاح والحرية يريد لك الحرية؛ فقد يريد أن يحررك من وطنك حتى يسهل عليه أن يقودك متى شاء وحيثُ يشاء.
فاحذر بائعي الأوهام، هم لا يشترون منك موقفًا واحدًا، هم يشترون حقك في الكلام، وبعدها يصبح الأمر يسيرًا: اليوم كلمة، وغدًا خبر، وبعد غدٍ موقف، ثم لا تعود تسأل: "هل أفعل؟"، بل تسأل: "ماذا تريدون مني أن أفعل؟"، وهُنا يكون القيد قد أُحكم.
اعلموا أن الخائن المرتزق، هو أشقى من ظن أن المال يستطيع شراء كل شيء؛ فالمال يشتري بيتًا، ولا يشتري وطنًا، ويشتري ثوبًا وسيارة، لكنه لا يشتري هيبة، ويشتري طعامًا، لكنه لا يشتري راحة الضمير، ويشتري أتباعًا، لكنه لا يشتري محبة الناس، وقد يملأ الخائن المرتزق جيبه، لكنه يفرغ اسمه، وقد يعلو صوته، لكنه لا يعلو قدره، وقد تفتح له أبواب القصور، لكنها قد تُغلق في وجهه ويُحرق كرته متى ما انتهى دوره.
وقد رأيتم تلك النماذج العملية في الرياض وأبو ظبي، في القاهرة وانقرة، وأيّ تجارةٍ أخسر من تجارة رجلٍ استبدل ماضيه وتاريخه واحترام الناس له بهراوات أموال اللجنة الخاصة المدنسة؟
يا بُنيّ: إن أخطر ما في الخيانة والعمالة أنها تأتيكم أحيانًا بثيابٍ أنيقة، لا تقول لك: "تعال نخون الأرض والعرض"، بل تقول: "تعال؛ معي لك عمل، تشتغل وأنت مرتاح".. لا تقول: "بع وطنك"، بل تقول: "كن واقعيًا"، لا تقول: "اصنع الضرر بأهلك"، بل تقول: "هذه مجرد معلومات"، وهكذا.. ثم شيئًا فشيئًا، يصبح القليل كثيرًا، ويصبح العار عادة، ويصبح الضمير صوتًا مزعجًا يريد صاحبه إسكاتَه.
فلا تسمحوا لأول خطوة أن تُتخذ؛ فإن الطريق الذي لا تريدون نهايته، لا تبدأوا فيه، لأن الخيانة أحقر شيء يمكن أن يعتمد عليها المرء للإضرار بأهله لمصلحة جهةٍ أجنبية، وأن يبيع ما اؤتمن عليه، ويجعل من أسرار أهله وشعبه بضاعته، ويقايض مصلحة وطنه بمكسبٍ شخصي زائل.
ثم اسمعوا هذه الكلمة؛ لا أحد محكوم عليه أن يبقى خائنًا إلى الأبد؛ فقد يغلب الإنسانَ طمعٌ، أو تغويه حاجة، يلتبس عليه الواقع لقلة وعيّه، أو تخدعه وعود، ثم يصحو ضميره، وما دام في الصدر نفسٌ؛ ففي الباب متسعٌ للرجوع.
فيا من زلت قدمه؛ ارجع، لا تنتظر أن يشتد القيد، ولا تنتظر أن تُغلق كل الأبواب، ولا تجعل المكابرة تمنعك من النجاة.
قل: أخطأت واقلب الصفحة، واقصُص على نفسك حكايةً جديدة؛ فليس أشجع من رجلٍ يعترف بخطئه، وليس أكرم من إنسانٍ يترك طريقًا أفسده ويعود إلى الحق.
واعلموا أن اليمن ليس حكومةً ولا حزبًا ولا جماعةً ولا فردًا، اليمن أوسع من ذلك كله، هو الأرض التي دفن فيها آباؤنا وأجدادنا، والبيت الذي ضحك فيه أطفالنا، والطعام الذي أكلناه مع أهلنا، والمدرسة التي تعلمنا فيها، والشارع الذي عرف خطواتنا، والذاكرة التي لا نستطيع شراءها من مكانٍ آخر.
فمن يختلف مع سلطةٍ يستطيع أن يعارضها، ومن يختلف مع حكومةٍ يستطيع أن ينتقدها، لكن لا تجعلوا الخلاف ذريعةً لبيع البلاد؛ فالسلطة تتغير، والحكومات تتبدل، والأشخاص يذهبون، ويبقى اليمن.
اعلموا أن المرء يموت مرةً بجسده، ولكنه قد يموت مراتٍ باسمه؛ فاحفظوا أسماءكم، لا تجعلوا أبناءكم يومًا يسألون: أكان أبي ممن باعوا؟
اجعلوهم يقولون: كان أبي رجلًا عظيمًا؛ يوم أن اشتد البلاء ثبت، وحين عُرضَ عليه المال رفض، وإذ خُيّر بين الكرامة والذهب؛ اختار الكرامة.
ذلك هو الميراث الحقيقي الذي لا يفنى، السمعة والذكرى الطيبة، أمّا المال الذي يُقبض في ساعة الخيانة، فقد يفرغ قبل أن ينتهي العمر، وقد تُقصف جمجمتك قبل أن تستمتع به، ويبقى العار أطول من العمر.
فيا من يقفون على مفترق الطريق؛ أمامكم دربان: دربٌ تزينه الريالات والدولارات والدراهم، وفي آخره وحشة وهلاك، ودربٌ قد يكون شاقًا، ولكن في آخره نصر وتمكين وراحة الضمير؛ فلا تغرنكم الزينة.
إن الذهب لا يغير معدن الإنسان، والمنصب لا يصنع رجلًا، والمال لا يمنح صاحبه شرفًا، واعلموا أن الشرف موقف، والوفاء موقف، والكرامة موقف، والرجوع عن الخطأ، حين يُطلب الحق، موقف؛ فاختاروا لأنفسكم ما يبقى حين تفنى الأشياء.
واختاروا أن تناموا وقلوبكم مطمئنة، اختاروا أن تنظروا إلى المرآة فلا تخجلوا من أعينكم.
اختاروا أن يقال عنكم بعد الرحيل؛ عاش كريمًا، ومات كريمًا، ولم يجعل وطنه سلعةً يتداولها في أسواق النخاسة أو رهان سمسارٍ على أبواب الطامعين.
تلك هي التجارة الرابحة، وما عداها، وإن امتلأت به الجيوب؛ فهو في ميزان العزة والكرامة خسارة.
فاحذروا الخيانة قبل أن تصبح عادة، واحذروا العمالة قبل أن تصبح قيدًا، واحذروا الارتزاق قبل أن يصبح اسمًا يسبق أسماءكم، وإن زلت قدم أحدكم؛ فليعلم أن باب الرجوع لم يُغلق؛ فالعار ليس في أن تخطئ؛ العار أن تعرف الطريق إلى الصواب، ثم تأبى الرجوع.