هُنا يمنُ الـ 21 من سبتمبر في الذكرى الـ 12 لثورته.. هُنا أرض الأحرار وقلعة الثوار التي لا تقبل الضيم ولا تنام على وصاية.. هُنا المجد الذي نسف ليل الذل والانبطاح.. هُنا الإعصار اليماني الهادر الذي أرجع التاريخ إلى مجراه الأصيل؛ فكسّر أغلال الارتهان وأبواب الحديقة الخلفية، ومزّق إلى غير رجعة صكوك العبودية التي صادرت حريتنا وقرارنا الوطني لعقودٍ طويلة.

هُنا الثورة التي جعلت من أبنائها طوفانًا مقدسًا تفجّر من أعماق الوجدان اليماني؛ صرخةً عاتية تُزلزل عروش البغاة والمستكبرين، وإعلاناً مدويًّا بأن اليمنيين قد استردوا بأسهم الشديد، وقبضوا بثباتٍ على طهر الأرض والسيادة، ورسموا بالحديد والنار عهدًا جديدًا عنوانه، العزة المكتملة، والاستقلال التام الذي لا يُساوم عليه ولن يُنتقص منه.

هُنا الثورة وهُنا الثوار وهُنا شعب الثورة؛ شعبٌ ينظر إلى أبطاله، ويشهد كيف تجلّت المعجزة العظمى في أروقة القوات المسلحة والأمن؛ فبعد أن نهشت أيادي التفكيك الممنهج أركان جيشنا وأمننا، نفضت الثورة غبار الهوان، وبَنَت قوة يمانية حيدرية خالصة، قائمة على عقيدة وهُويةٍ إيمانية لا تُهز، وكفاءات وطنية مئة بالمئة.

هُنا السلاح اليماني المشرع الذي لم يُصنع للتقوقع والتخزين، فقد شُحذ لنصرة قضايا الأمة، وفي مقدمتها مظلومية فلسطين؛ حيث أثبتت ثورة الـ 21 من سبتمبر 2014م، أن الاستقلال السياسي والاقتصادي هو السبيل الوحيد لامتلاك الشجاعة لشَهر السلاح ودك المعتدين.

وها هي قواتنا المسلحة تقف اليوم في خط المواجهة الأول، تفرض الحصار البحري والميداني الصارم على العدو الصهيوني ووكلائه المطبعين، وتلقّنه الدروس الخالدة في النخوة والشهامة انتصارًا لغزة وأبنائها، رافعةً اسم اليمن شاهقًا في القمم، كنموذجٍ استثنائي للحرية التي لا تنحني أمام إمبراطوريات الاستكبار والإجرام.

هُنا الثورة النقية واسَألوا سفارات الهيمنة، التي كانت تُدار منها الدولة بهاتفٍ من واشنطن والرياض ولندن؛ كيف اقتلعت الثورة شبكات العمالة والنفوذ والفساد، وطهّرت مؤسسات الجمهورية اليمنية من أذناب الوصاية، ليستعيد الشعب قراره السياسي المستقل، والتفافه الصادق حول قيادته الثورية؟

ومن وسط أعتى عدوان وحصار فرضه قارون العصر وحلفاؤه، استحال التحدي إلى إعمار، والمحنة إلى ملحمة إصلاح وشرف؛ فهُدمت هياكل الفساد، وتفعّلت الرقابة، وتطهّر القضاء، وانطلقت الدولة نحو الاكتفاء الذاتي، ثابتة كالجبال الشمّ لا تكسرها عواصف الرياح.

وتأملوا هذا التلاحم الشعبي العظيم، حيث خابت كل مخططات التفتيت الحزبية والمذهبية والمناطقية؛ إذ صبغت الثورة المجتمع بقيم التكافل والعدل والرحمة، فتأسست هيئة الزكاة لتبلسم جراح الفقراء والمحتاجين.

هُنا الثورة حيث وقفت القبيلة اليمنية الأبية كالصخرة الصماء التي تحطمت عليها كل المؤامرات، بفضل الوعي الشعبي العارم، والنخوة اليمانية المتجذرة في رجالاتها التي جعلت المجتمع حائط صد يلتف خلف كرامته، صابرًا ومحتسبًا ومستعدًا لبذل الأرواح والدماء.

هُنا الثورة التي وُضعت اللبنات الأولى لاقتصاد يماني حر يعتمد على الموارد الذاتية والإنتاج المحلي، بدلاً من الارتهان المذل للقروض والاستيراد الخارجي؛ فانطلقت المبادرات الزراعية لتخضرّ الأرض بالقمح والحبوب والمحاصيل الاستراتيجية، واشتعلت جذوة الصناعات الوطنية والمشاريع الصغيرة؛ لترسيخ ثقافة الاعتماد على النفس، وكسر سيف الحصار الاقتصادي الممنهج، وإثبات أن الشعب الذي يملك إرادته يملك حتماً قوته وكرامته.

وبفضل هذه الانطلاقة المباركة، يقف اليمن اليوم شامخًا كالقلاع، حرًا استعصى على الوصاية، وداس تحت أقدامه جبروت المعتدين، نمضي بخطى واثقة ونشوة نصر لا تنكفي نحو المستقبل، برؤية استراتيجية جامعة منهاجها "يدٌ تبني ويدٌ تحمي"، وتحفظ كرامة الإنسان وتصون حياض الوطن.

فليسمع العالم أجمع؛ إن في اليمن شعبٌ تسلّح بالإيمان، واعتصم بالله العزيز الجبار، وقاده أحراره في الـ21 من سبتمبر، شعبٌ لا يُقهر، ولا يُمسّ شرفه، وسيظل يكتب بأسه ومنجزاته حتى يرفرف علم النصر والفتح المبين على كل شبرٍ من أرض الوطن؛ بإذن الله تعالى.. والعاقبة للمتقين.