تواجه جمهورية باكستان الإسلامية في المرحلة الراهنة أعقد أزمة وجودية في تاريخها الحديث، حيث تتداخل أزماتها الاقتصادية والعسكرية والأمنية لتشكل حزامًا من الضغوط يمنعها من المناورة أو الانخراط في أي محاور عسكرية خارجية.

وتفرض المصلحة العليا على إسلام آباد الانكفاء في ظل التحولات الإقليمية المتسارعة، نظرًا لأن أي خيار لمساندة المملكة العربية السعودية في عدوانها على اليمن سيضع البلاد أمام سيناريوهات كارثية على المستويين الداخلي والدولي.

وتعاني باكستان داخليًا من ثلاثية الشلل المتمثلة في الاقتصاد والأمن والجيش، وهي تتحرك اليوم فوق أرضية شديدة الهشاشة، حيث يمثل وضعها الداخلي العائق الأكبر أمام أي طموح للعب دور "الظهير العسكري" الإقليمي.

وعلى الصعيد العسكري والأمني، يعيش الجيش الباكستاني حالة استنزاف حقيقية في مواجهة جبهات داخلية مشتعلة، حيث تتصاعد العمليات العسكرية ضد جماعة "طالبان باكستان" والحركات الداخلية في إقليم بلوشستان، مما يجعل جبهة باكستان الأمنية مخترقة بالكامل ولا تحتمل فتح خطوط مواجهة جديدة خارج الحدود.

أما على المستوى الاقتصادي، فتقف باكستان اليوم على حافة الانهيار المالي المرتهن لقروض صندوق النقد الدولي والمساعدات الخارجية، وهذا الانهيار يجعل القرار السياسي مرتهنًا للقوى المانحة، ولكنه في الوقت نفسه يحرم الدولة من القدرة الاقتصادية واللوجستية على تمويل أو إسناد أي مجهود عسكري خارجي.

وقد تواجه باكستان معضلة جديدة في اليمن، لا سيما أنها دخلت مع السعودية فيما يسمى "تحالف مكة"، لكنها اليوم تواجه الخطاب الأخلاقي لـ"صنعاء" أمام الشعب الباكستاني، لا سيما بعد التصريحات الصادرة من صنعاء، وتحديدًا "النصائح" الأخيرة التي وجهها السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي -يحفظه الله- لباكستان، التي وضعت القيادة الباكستانية في مأزق سياسي وأخلاقي أمام شعبها، وخاصة أنها ستقف في موقف المعتدي على اليمن تحت عناوين كثيرة يستغلها النظام العدواني السعودي على اليمن، نظرًا لما يتمتع به الشعب الباكستاني من عاطفة دينية وإسلامية ترفض على مدى تاريخها التدخل في دماء المسلمين، ما يعني أن أي إسناد عسكري باكستاني للسعودية ضد اليمن سيُظهر الحكومة الباكستانية أمام مواطنيها في موقع "المعتدي" لحساب أطراف خارجية، مما يفقدها شرعيتها الشعبية تمامًا.

إن مصلحة باكستان الحيوية لا تكمن في تقديم "صكوك الولاء العسكري" للرياض، بل في حماية ما تبقى من سيادتها وتماسكها الداخلي، كما أن الانجرار وراء الرغبة السعودية في استدعاء الدعم الباكستاني ومواصلة العدوان على اليمن إلى جانب العدوان السعودي هو انتحار استراتيجي، فالدعم الباكستاني لن يقدم للرياض النصر الذي عجزت عنه لسنوات، ولكنه بالتأكيد سيقود باكستان نحو انفجار داخلي أمني واقتصادي، ويضعها في مواجهة مباشرة وخاسرة مع شعبها ومع قوة ردع يمنية أثبتت الأيام أنها لا تتردد في حماية سيادتها.