منذ عقود ومنطقة الشرق الأوسط تدار بإستراتيجية بعيدة عن منطق الأحداث اليومية بين عقلين إستراتيجيين يتصارعان على رسم المستقبل بين العقل الإيراني الهادئ والعقل الإسرائيلي المجرم، بصراع عميق تحول إلى مواجهة مباشرة وكشف المنطقة وأدخلها مرحلة جديدة مع دخول مضيق هرمز سلاحا إستراتيجيا أظهر حقيقة العقل السياسي الأمريكي أنه لم يعد عقلاً مستقلاً وتم توظيفه لخدمة العقل الإسرائيلي بمشروعه الخطر بنتيجة أغرقت أمريكا بحربٍ ليست حربهاـ في وقت صعب وهي تلفظ أنفاس أمجاد إمبراطوريتها.

بالطبيعة دائمًا يبحث العقل عن البقاء، وفي الدول البقاء مشروع إستراتيجي يضم كل ما فيها من جامعات، مصانع، اقتصاد، وجيش بمنظومة تعمل لهدفٍ واحد كما فعلت إيران الجمهورية الإسلامية من مشروعها النووي، وعمره من سبعينات القرن الماضي أوقفته أمريكا و(إسرائيل) لأن الشاه كان مطيع لهم رغم قناعة عنده صرح عنها بأكثر من مناسبة، أن إيران يجب أن تكون قوة عظمى إقليمية.

وهذا حق لها وهذا ترجمته الثورة منذ نجاحها بعدما وجدت نفسها مهددة وجودياً منذ اليوم الأول دون سبب؛ ففهم قادتها أن تحصين الثورة ليس بالخطابات، بل بقوة الردع الأهم في العالم؛ فإيران دولة عظمى تفكر بمنطق واقعي وعقل حر، نموذج غير مسبوق من التحرر بإستراتيجية النفس الطويل، تثبيت القدم في الأرض بامتلاك الردع الذاتي مقابل العقل الإسرائيلي الذي لم يكن عدواً تاريخياً لإيران بل الحليف الإستراتيجي للشاه.

والمشكلة ليست عداء أيديولوجي، بل عقيدة "التفرد في القوة" عقيدة "يجب أن تكون إسرائيل هي الأقوى ولا تصل كل قوى المنطقة مجتمعة إلى مستوى قوتها"، بما يعني أنها كيان يرى نفسه مزروعاً بلا جذور يحمي نفسه بأن يكون قلعة عسكرية تمتلك السلاح النووي وتمنع غيرها من امتلاكه.

لهذا تعادي (إسرائيل) أيّ دولة تحاول الاستقلال بصناعتها العسكرية حتى لو وقعت الاتفاقيات الإبراهيمية؛ فممنوع على أي أحد امتلاك نووي، وصواريخ باليستية بعيدة المدى، فذلك يعتبر خطر وجودي بالنسبة لها، وهذا سبب حتمي للتصادم.

إيران تريد أن تكون دول مستقلة بما يتناسب مع واقعها وتاريخها ومبادئ الثورة الإسلامية و(إسرائيل) تريد احتكار الردع، وتعتبر إيران تهديدًا لمشروع سيطرتها، ولهذا جرّت (إسرائيل) أمريكا إلى الفخ لأن العقل الإسرائيلي حرك العقل الأمريكي ضد إيران ونتنياهو منذ التسعينات، يردد أن إيران على وشك تصنيع القنبلة كأداة تحريض مستمرة، بينما باراك أوباما نفسه يدحضها بقولة: "لو حافظتم على الاتفاق لوفرتم حربًا خاسرة".

باستنتاج بسيط أن ترامب هو من هدم الاتفاق وخلق ذريعة الحرب، والنتيجة فشل في إنهاء الملف، وهنا نفهم لماذا أمريكا إمبراطورية تلفظ أنفاسها وهي التي بنت عقيدتها على الضربة السريعة والتفوق الجوي، وجدت نفسها في حرب استنزاف طويلة بلا مخرج، عاجزة عن تأمين مضيق هرمز الذي يمر منه 20% من نفط العالم و17 كابل إنترنت عالمي، وعاجزة عن حماية قواعدها في الخليج التي أصبحت غير قابلة للدفاع أمام المسيّرات الرخيصة ولا تحارب بعقلها بل بعقل غيرها تقاتل لتمنع سقوط (إسرائيل) كقاعدة لحماية مصالحها، بينما هي قاعدة سقطت أخلاقياً وسياسياً قبل سقوطها عسكريًا، ورئيس حكومتها ملاحق من الجنائية الدولية، وأمريكا لم تتدبر العاقبة، ذهبت إلى حرب لاحتكار القوة لغيرها فخسرت قوتها؛ إنه زمن نهاية إستراتيجية القوة.