اليمن اليوم، بعد سنوات العدوان والحصار والتضحيات، لم يعد ذلك البلد الذي يراهن أعداؤه على إخضاعه بالتجويع والقصف؛ فقد انتقل من مرحلة الصمود إلى فرض المعادلات، مستندًا إلى حكمة قائده وإرادة شعبه وقدرات قواته المسلحة وقراره المستقل.
لقد فشلت رهانات كسر الإرادة اليمنية، وبدأت تتكشف حقيقة عجز العدو السعودي عن إخضاع اليمن بالحرب والحصار، لن يستطيع إخضاعه بالضغوط الاقتصادية، ولا بالمناورات السياسية، والهرطقات الإعلامية، والادعاءات الكاذبة، والتحالفات الفاشلة؛ فصنعاء تتجه إلى استخدام أوراق القوة التي تمتلكها لفرض معادلة الردع، وجعل استمرار العدو السعودي بقصف اليمن وتحشيد المرتزقة مكلفًا عليه وسيخسر أكثر.
ومع إعلان صنعاء فرض معدلاتها وإجراءاتها المتعلقة بالحصار الجوي والبحري على العدو السعودي، تتسع دائرة التأثير لتطال حسابات الرياض الاقتصادية والتجارية وحركة النقل والإمداد، وبحسب نطاق تنفيذ هذه المعادلات وتداعياتها، يجد العدو نفسه أمام معادلة مختلفة، عنوانها أن استمرار الضغط على الشعب اليمني لن يبقى بلا تبعات، وأن أمن الملاحة البحرية والجوية وحركة النقل لا يمكن فصلهما عن أمن المنطقة واستقرارها.
وهنا تكمن أهمية تحول اليمن من سياسة امتصاص المؤامرات إلى فرض قواعد اشتباك جديدة؛ إذ لم يعد البحر الاحمر والمجال الجوي مجرد ممرات جغرافية، وإنما أوراق ضغط استراتيجية تتصل بحسابات الأمن والاقتصاد والسيادة الكاملة.
إن الرسالة التي ينبغي أن تصل إلى الرياض واضحة: لا يمكن مطالبة اليمن بالتهدئة فيما تستمر التحشيدات والضغوط، ولا يمكن الحديث عن السلام مع الإبقاء على العدوان والحصار والوصاية، هذا في اليمن غير وارد.
واليمن لا يبحث عن حرب مفتوحة، ولا يجعل معاناة الشعوب غاية بحد ذاتها، وإنما يؤكد أن السلام الذي لا يحمي السيادة ولا ينهي العدوان والحصار يظل تسوية مؤقتة قابلة للانفجار؛ فالسلام الحقيقي لا تصنعه الإملاءات، وإنما تصنعه معالجة جذور والعدوان والتصعيد السعودي، بوقف الاعتداءات، وتنفيذ مطالب الشعب واحترام حق اليمنيين في تقرير مصيرهم دون وصاية.
بالتالي؛ فإن من أراد استقرار المنطقة، فعليه أن يدرك أن أمن اليمن جزء لا يتجزأ من أمن العدو السعودي، وأن سياسة التصعيد لن تنتج عنها غير مزيدًا من التصعيد عليه، وقد انتهى زمن الرهان على إخضاع اليمن، وبدأ زمن البحث عن حلول واقعية تعترف بحقائق الميدان وحقوق الشعب، فاليمن الذي صمد أمام سنوات الحرب، لن يتنازل اليوم عن سيادته، ولن يقبل سلامًا يُفرض عليه بالقوة؛ والأيام بيننا إن شاء الله تعالى.