من أهم ما يعتمده العدو قبل أي تصعيد في المواجهة العسكرية، الاعتماد على استراتيجيته المعهودة، المتمثلة في الحرب النفسية والإعلامية، وإن حاول في كل مرة إخراجها بقالبٍ آخر؛ فإن مضمونها لا يتغير، باعتبارها خطة ثابتة لديه.
فمنذ بدء عدوانه على الشعب اليمني، وهو يركز على ضرب النفوس واحتلالها، كي يتمكن من غزو الأرض والسيطرة عليها، وذلك من خلال نشر الشائعات المختلفة والمركّزة، التي ترافقها حملة إعلامية ضخمة، ترتكز على معلومات مضللة وكاذبة، بهدف نزع الثقة، وخلق حالة من الإرباك والاهتزاز المعنوي الجماعي.
بالإضافة إلى تضخيم إمكاناته أكثر من اللازم، مع توفير الغطاء الدولي للإجرام المرتقب الذي يعدّه، من خلال ما يسمى بالدبلوماسية الدولية، لعزل الشعب اليمني في زاوية مظلمة، ليسهل عليهم ارتكاب الجريمة دون أن يرف جفن أحد في العالم، وهي رسالة مضمونها: إمّا الاستسلام أو الإبادة، حيث كان هذا هو الهدف الأبرز للعدو السعودي وداعميه.
ورغم التفوق العسكري الهائل الذي يملكه تحالف الشر الشيطاني، فإن الخوف الذي يتملّكهم هو ردة الفعل؛ فهم يستبقون تصعيدهم بحملات الحرب النفسية والهجمات الإعلامية، للتأثير على معنويات الناس، والتقليل من التحشيد القتالي، محاولاً تفكيك الحاضنة، مع تشديد الحصار وفبركة الأحداث، وشيطنة المواقف، وفق سياسة "اكذب، اكذب حتى يصدقك المغفلون"، وهي الطريقة السمجة للإعلام الموجّه، كالجزيرة وأخواتها من منظومة الإعلام الصهيوني والمتصهين.
وهذا النمط من الحروب أصبح غير ذي جدوى أمام وعي الشعب وإيمانه، الذي يتمتع بهويته الإيمانية الراسخة، وجعل الحكمة تاج مجده، والجهاد ذروة سنامه؛ فالإيمان والحكمة نور وبصيرة يمنحان الإنسان الوعي العالي والفهم الصحيح لكيفية التعامل مع الأحداث والتحديات، أيًّا كان حجمها أو مصدرها، وهذا هو العامل الأهم الذي جعل الشعب اليمني ثابتاً وصامدًا أمام عواصف التحالف الإعلامية والعسكرية والاقتصادية، منذ بدء عدوانه في مارس 2015م.
وفي هذه المرحلة الفارقة والمفصلية من عمر العدوان على شعب والإيمان والحكمة، ومع دخولها منعطفاً جديدًا وتصعيدًا أشد، وكأننا نعيش الأيام الأولى للعدوان، ومع ظهور تحالفات قديمة بمسميات جديدة بدأت تظهر للعلن، على سبيل المثال حلف مكة التكفيري، وذلك بعد فشل أدوات الصهيونية التقليدية من بعران الخليج ومرتزقتهم؛ تشتد الهجمة الإعلامية، ويزداد الإرجاف، وتُضخّم التحركات والإمكانات، ويبذل العدو جهداً أكبر وأموالاً أضخم للتمويل، لتسويق سرديته اللاأخلاقية واللامهنية.
وفي المقابل، تظهر السردية المسؤولة والأخلاقية الهادفة من مصادرها المسؤولة في الإعلام الحربي للجيش اليمني، لتفضح زيف وبهتان ممتهني الدجل والكذب، حيث تمثل مجموع تلك القنوات، في نظر أحرار الشعب اليمني والعالم، صوت الشيطان الناعق.
ولأن الشعب اليمني الحر يتلقى الوعي والبصيرة من المدرسة القرآنية؛ فقد ترسخ في ذهنه ما قدّمه قرين القرآن، الذي عصف بهذه الهجمة الإعلامية والسردية الباهتة، وقدّم للأمة، بل للأمة كلها، الرؤية القرآنية في مواجهة التصعيد والتحديات وكيفية ذلك من خلال القرآن الكريم، ومما قاله السيد القائد في ذلك، وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾، لاحظوا تجليات الإيمان الصادق أمام حالة الإرجاف والتهويل، وقد تتزامن مع أحداث مؤلمة ومؤسفة على الأرض تحصل، لكنهم لا يرتابون؛ المؤمنون الحقيقيون، المؤمنون الواعون، المستبصرون، المتيقنون، الواثقون بالله سبحانه وتعالى، المتوكلون على الله سبحانه وتعالى، لديهم وعي حتى عن أسباب الأحداث ونتائجها، ولذلك لا يرتابون أبدًا، مهما كان حجم الدعايات الرائجة الشائعة.
إن الهجمة الإعلامية الموجهة إلى كافة شرائح المجتمع اليمني، بأحدث وسائل الإعلام المتعددة، ومن كافة أنحاء العالم الشيطاني، وبكل اللغات والأساليب وعلى مدار الساعة، والتي عبّر عنها القرآن الكريم بقوله: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾، كانت مواجهتها بالثبات على الموقف الحق، مع أهمية تقديم المواقف القوية والرادعة، وكل ذلك يكون من خلال الإيمان الصادق بالله والتوكل عليه سبحانه وتعالى.
وهذا ما تجلّى واقعًا وجسّده الجيش ولجان التعبئة العامة، ومعهم القبائل الأبية الشجاعة، ومن خلفهم شعب الصمود، من خلال إعصار اليمن، الذي قد يستمر بشكّلٍ أعنف بعد تثبيت معادلة "الحصار بالحصار، والتصعيد بالتصعيد".
ونتيجة الاستجابة لتوجيهات الله، والارتباط الإيماني بحبله المتين، والخشية من الله وحده لا سواه، جاء قوله تعالى: ﴿فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾؛ فإن النتيجة الحتمية للمنطق الحق والمواقف القوية هي قوله تعالى: ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾، وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَٰلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.
هذه هي الرؤية القرآنية التي تبدأ بمعالجة النفس وتزكيتها، وتعميق الارتباط بالله، ثم الجدّ في تحمّل المسؤولية، والاهتمام على المستوى العملي بتقديم المواقف القوية في مواجهة التصعيد وتحديات الأعداء.