في زمن تهاوت فيه الضمائر وانحنت الرؤوس، تقف أمتنا اليوم أمام مفترق طرق تاريخي وتحديات مصيرية لا تحتمل الرمادية؛ إذ تخيرنا المرحلة بين خيارين لا ثالث لهما: إما الذل والركوع تحت وطأة الوصاية والاستكبار العالمي، وإما السير بثبات في طريق العزة والكرامة والشهادة مهما كانت التضحيات جساماً.
إن ما يتعرض له أحرار الأمة اليوم ليس سوى ضريبة حتمية للثبات على المبدأ والانتصار للحق في وجه قوى البغي.
وحين نتساءل عن الأسباب التي ألبست الباطل أثوابه وجعلت جيوش أشرار العالم تتكالب علينا، لا نجد إجابة سوى أننا دفعنا ضريبة تمسكنا بالثوابت القرآنية، والتولي الصادق لآل البيت الأطهار عليهم السلام، ومساندتنا الراسخة لإخواننا الأحرار في المقاومة الفلسطينية واللبنانية.
إن هذا العالم المنافق ومنظوماته المتواطئة لن يستطيعوا إركاعنا أو ثنينا عن مواقفنا الإيمانية والأخلاقية والإنسانية في نصرة ديننا والمستضعفين في كل بقاع الأرض.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} [سورة محمد: 7]. منقادون لوعود الله الحق بالتمكين والنصر، وثقتنا مطلقة بأن العاقبة للمتقين، وإن كانت الشهادة في سبيل الله هي العنوان الأبرز لهذا المسار فلن نتراجع عنها أبداً، بل نمضي غير آبهين.
أنا مستعد للموت، وعلينا أن نمضي جميعاً في هذا الطريق حتى النهاية، ولتكن كربلاء جديدة بكل معاني التضحية والفداء! فما كان بالأمس وعدًا إلهياً، سيغدو غدًا واقعاً مشرقاً يليق بمن يحملون راية الحق، مصداقاً لقوله تعالى: "وَالَّذينَ قُتِلوا في سَبيلِ اللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعمالَهُم". اقتلونا تحت كل حجر ومدر، وفي كل جبهة، وعلى باب كل حسينية ومسجد، فنحن شيعة علي بن أبي طالب عليه السلام، ولن نتخلى عن فلسطين ومظلوميتها مهما اشتد الحصار.
إن سهام الطوفان، وإن حاولوا إطالة طريقها أو محاصرة وجهتها، منها ما وصل، ومنها ما هو نافذ لهدفه المحتوم مهما حاولوا إسقاطه؛ فسهام الطوفان نافذة بأمر الله وإرادته، فكونوا سهماً من سهامه.
سَيَزول ظُلم الظَّالِمينَ وإنْ طَغَى
وَيَشْرِقُ لِأُمَّتي فـجرًا مُنيرًا نيِّـرا..
وعندما نتأمل في المشهد الإقليمي، تتكشف بجلاء حقيقة الاصطفافات، مصداقاً لقوله تعالى: {وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ} [سورة التوبة: 101]. فاليوم يتحالف بعض الأعراب وممن انخرطوا في أجندات معادية تحت اتفاقيات مشبوهة وحصار غاشم لقتل الشعب اليمني ومعاقبته على موقفه المبدئي في مساندة أبناء المقاومة الفلسطينية واللبنانية، وإغلاق الملاحة البحرية بوجه الكيان الإسرائيلي والأمريكي.
إنهم يسعون عبثاً لإخضاع الشعب اليمني تحت الوصاية الأمريكية والصهيونية، متجردين من كل روابط الأخوة والعروبة؛ إلا أنهم فشلوا وسيفشلون اليوم وغداً.
إن اليمن لن يتخلى عن القضية الفلسطينية ولا عن نصرة إخوانه في غزة ولبنان، في الوقت الذي تتكشف فيه مواقف المتخاذلين والدعم المعلن لعدوان يطال الشعب اليمني، بينما غزة تستغيث وتسطر أروع ملاحم البطولة، ويبقى الحق التاريخي والمشروع للمقاومة الفلسطينية واللبنانية في تحرير كل شبر من أراضيهم هو البوصلة التي لا تحيد.
إن التاريخ والواقع يشهدان أنه لا فضل لأحد على غزة؛ فغزة اليوم هي صاحبة الفضل على الدنيا كلها، بما قدمته وتقدمه من نموذج فريد في الصبر والثبات والكرامة.