الإمارات وتصاعد صهيونيتها المزمنة
وليد محمد الوشلي
متى ستكون الإمارات المتحدة.. عربية ..؟ سؤال وجيه لم يعد يطرحه فقط إخوتها الموجوعون من توسع انخراطها المشبوه في مشاريع أكبر منها في المنطقة خلال السنوات العشر الأخيرة.. بل بات هذا السؤال وجيها حتى في عواصم عربية كانت إلى ما قبل شهور قليلة تعد إلى جانب أبوظبي ضمن محور المعتدلين ثم حلف المطبعين.. وضمن حزمة أهم الأدوات الأمريكية في كل ملفات المنطقة.. بدء من سوريا ومرورا باليمن عروجا إلى السودان.
منذ بدأ الطوفان ودارت آلة القتل الأمريكية الإسرائيلية في غزة.. لم يخف الكثيرون صدمتهم من وقاحة الخطاب الإماراتي تجاه حرب الإبادة الصهيونية.. فمن إداناتها على السواء لكل من حماس و”إسرائيل”.. إلى استمرارها في فتح كل الأبواب أمام التحالف الاستراتيجي مع “إسرائيل” وتبادل الزيارات المستفزة لمشاعر كل أحرار العالم .. تواصل هذه الدويلة تصهينها الوقح وإنما بنحو متصاعد مع عودة ترامب إلى البيت الأبيض..
تجلت ذروة التصهين الإماراتي تجاه غزة في مرحلة وقف إطلاق النار من خلال موقفين:
الأول في دعم ما يسمى بخطة ترامب بتهجير سكان غزة ونقلهم إلى دول مجاورة .. إذ سارعت الإمارات من واشنطن إلى التصريح المفاجيء بإعلان دعمها لخطة لترمب .. حين قال سفيرها لدى واشنطن يوسف العتيبة في حديثه له قبل أيام خلال القمة العالمية للحكومات المنعقدة في دبي، إن بلاده لا ترى “بديلا” لخطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن غزة حتى الآن. وأضاف “إنها صعبة”، مشيرا إلى عدم وجود خيارات أخرى.
الموقف الآخر والذي بدت به أبو ظبي مغردة خارج سرب الموقف الرسمي العربي المتردد حتى اليوم.. هو ما صرح به مستشار رئيس الإمارات أنور قرقاش الأربعاء.. أن خطة الإعمار المقترحة عربيا لغزة لا يمكن أن تنفذ..
وأضاف قرقاش في تعليقات أدلى بها خلال مؤتمر إنفستوبيا 2025 في أبو ظبي أن الاستثمار في المشروع يحتاج إلى استقرار سياسي.
وقال قرقاش “غزة تحتاج إلى خطة إعادة إعمار، وهي خطة ضخمة، لكن خطة إعادة الإعمار هذه لا يمكن أن تتم حقا دون مسار واضح لحل الدولتين. لذا، من الواضح أنكم بحاجة إلى استقرار سياسي ناجم عن خارطة طريق حتى تأتي هذه الاستثمارات الكبيرة”.
موقفا دويلة الإمارات الأخيران تجاه غزة والذي يرحب أولهما بخطة ترامب ويدعمها.. والآخر الذي يرفض -والذي يُفشل مسبقا- خطة عربية ما تزال مدروسة في القاهرة والرياض وعمان.. موقفان يؤكدان عزم ذهاب هذه الدويلة إلى طريق مفتوحة من الخيارات الصهيونية المدمرة في المنطقة.. ويزيد في رجحان كفة المتهمين لأبوظبي بأنها أصبحت صهيونية بامتياز وبأن تصاعد علانية ظهور هذا الموقف الإماراتي سيعيد فرز التحالفات وترتيب الملفات وخلط الأولويات داخل محور التطبيع نفسه فضلا عن شعوبه المظلومة المكتومة ومحيطها العربي المحتقن..
فهل يعمل تدهور الحالة المزمنة من التصهين الإماراتي على انكشاف ما تبقى من المستور عن تبعيتها لإسرائيل…؟ والسؤال الأهم هو: عند أي مرحلة سيقرر أتباع دراهمها و(شُقاة) مشاريعها الخطيرة التوقف والتراجع؟ وكيف سيكون مصيرهم عندما يكتشفون الحقيقة بكل فجائعيتها ومرارتها يوم لا يجدون حجة يدافعون بها عن انخراطهم معها وانجرارهم في حروب لم تكن يوما ذات مصداقية في شعاراتها الهشة مثل حراس الجمهورية وطارق عفاش وبقايا الزعامة البائدة الخائنة إلى آخر تلك الأكاذيب التي ستتكشف أكثر وأكثر بأنها كانت عناوين حروب ذات أهداف وغايات “يهودية صهيونية”؟؟؟.
هذا التسابق العربي نحو حظيرة “إسرائيل” مباشرة دون المرور بالدهاليز الأمريكية .. تقدم له هذه الدويلة متناهية الصغر نموذجا صارخا من العفاطة والوقاحة المستفزة تتناسب تماما مع مرحلة متسارعة الأحداث وتتسم بضرورة اتخاذ قرارات فورية وكبيرة على مسار التطورات والمتغيرات.. ففي زمن ترمب لا وقت للمداراة والمجاملات والعمل على طبخ المنطقة فوق نيران هادئة.. لأن الكاوبوي الأمريكي الأهوج ترامب مطلوب منه صهيونيا أن يسرّع عجلة المشروع الصهيوني -بعد أن تعرض هذا المشروع -من طوفان الأقصى وصحوة شعوبية عالمية كبرى- لزلزال أحدث شروخا منذرة لكل أركانه بقرب الانهيار..
محور اتفاق “إبراهام” المرعب الذي ينذر بالموت والدمار لكل ما هو عربي قائم .. ليس من المصادفة أن تكون أبو ظبي عرابته.. وقد اختارتها الصهيونية منذ سنوات لتكون أبعد من ذلك خطرا وذلك باتجاه أن تصير قاعدة صد ثم توسع لوجيستي استخباراتي ثم هجمات عسكرية باتجاهين شرقا نحو الجمهورية الإسلامية وغربا وجنوبا صوب سائر بلدان الحرمين الشريفين وعمان واليمن.. والبحر العربي والمندب والبحر الأحمر..
صحيح بأن السعودية ما تزال هي أكبر حليف استراتيجي للمشروع الصهيوني.. لكنها لأسباب دينية مقدسة ذات حساسية شديدة ومؤثرة.. فإن مسيرها بسرعة أكبر لتواكب تسارع التطورات يتطلب تهورا قد لا يحمد عقباه.. فكان لا بد لإسرائيل من العمل على عدة مسارات لبلوغ ما هو مخطط في سيناريوهات ما بعد أمريكا في المنطقة..
إن أي دويلة نفطية أخرى تقع في شرق جزيرة العرب لن تكون بمثالية هذه الدويلة لتكون أفضل خيارات “إسرائيل” للتحرك في تلك المسارات الخبيثة.. يتضح ذاك جليا في طبيعة الأدوار ونتائج قيام أسرة نهيان بها.. ثمة جرأة في تقافز أداورها في المنطقة جغرافيا وسياسيا بشكل لافت.. ففي سوريا قامت لسنوات طويلة باستعداء نظامها ثم هي قبيل سقوط بشار الأسد بسنوات قليلة كانت متقاربة متقلبة مراوغة منفتحة معه..
ساعدها في نجاح أدوارها الصهيونية على ذلك النحو الذي يعد غريبا بعض الشيء في الأوساط العربية الرسمية التقليدية أمران أو ثلاثة:
أموالها ، وصغرها المتناهي، والنفوذ اليهودي الواسع في العالم وفي المنطقة ..
فهل هذا الاندفاع الكبير في الجغرافيا وهذا التقلب المفاجئ في السياسة.. سيستمر على نحو تلك العفاطة من دون حدوث صدامات داخل محور التطبيع والتبعية الصهيونية.. هل سرعة المفاجآت الاستراتيجية وجنونية حدوثها في منطقتنا العربية ستحمل معها مشاهدة دويلات إمارات متصهينة أخرى أم أن بالونية النموذج الإماراتي وبلاستيكيته الأعرابية المؤقتة ستذوب وستتبخر مع ارتفاع حرارة الصراع ..