موقع أنصار الله . تقرير| وديع العبسي

ليس غريباً أن يتعامل الأمريكيون مع العمليات اليمنية كحالة مستعصية على الفهم، وتجربة لم يكن بالمقدور -حتى الآن- تفكيك تفاصيلها لاستيعاب ما يقف خلفها من مفاجآت مثيرة مثّلت الطابع البارز للهجمات. وليس غريباً أن تدرس المراكز البحثية الأمريكية نمط الصواريخ اليمنية، والقدرة التي ظهرت بها في رحلاتها شبه اليومية ووصولها سواء إلى عمق العدو الإسرائيلي، أو إلى القطع البحرية الأمريكية المختلفة.
لقد كشفت المواجهة المباشرة عن حقائق جديدة ليست مألوفة لقوة عربية، بعد أن رسخت عقود من السلبية والاستلاب العربي قناعة لدى الأعداء بأن العرب ليس بمقدورهم أكثر من قمع التظاهرات الداخلية.

ألغاز العمليات اليمنية

استنتج المحللون للعمليات اليمنية أن ثمة تعقيداتٍ لا تزال بحاجة إلى معطيات أخرى تُسهّل فهمها، وهو الاستنتاج الذي جعل من غير المقدور التشكيك بأن اليمن -بما ظهر عليه من أداء راقٍ ومدروس- كان مسنوداً بتأييد الله أولاً وأخيراً. وما تزال المحاولات جارية لتجاوز الحيرة في كيفية نجاح اليمن بتقديم الشواهد على أن الانغلاق الغربي على خبرة الماضي جعلهم فاقدين للقدرة حتى على الاستفادة من التقنية التي يُعَدون روادها.
حاول هؤلاء الإجابة عن عدة تساؤلات:
* كيف استطاع اليمن -في وقت قصير جداً- امتلاك هذه القوة والاستفادة بصورة غير مسبوقة من التكنولوجيا الحديثة، فصنع المسيّرات النوعية والصواريخ "الفرط صوتية" والمنشطرة؟
* كيف انتصر اليمن في الحرب الاستخبارية فنجح في الوصول إلى معلومات دقيقة لطبيعة السفن، رغم كل أشكال التمويه وإغلاق المعرّفات؟
* ما هو نوع الصاروخ الذي نجح في إسقاط (22) طائرة تجسسية نوع "MQ-9" إلى درجة دفعت القادة الأمريكيين إلى إخفاء هذا النوع من الطائرات انتظاراً لنسيان الفضيحة؟
* كيف نجح التصنيع الحربي اليمني في تطويع الصاروخ الباليستي ليضرب أهدافاً متحركة؟
* وكيف استطاع فرض حصار بحري من البر؟

غطرسة "ترامب" والترسانة البحرية

ما إن وصل المدعو "ترامب" إلى البيت الأبيض بإرادة صهيونية لتنفيذ أهداف محددة، حتى هبّ لإنقاذ كيان العدو الذي ينتمي إليه عقائدياً، بعد أن غرق هذا الكيان في غزة، وأثخنت ضربات محور المقاومة وجوده ومستقبله، وبعد أن تكسرت أظافره أمام هجمات القوات اليمنية التي فرضت حصاراً صارماً على ملاحته، وأغلقت ميناء "أم الرشراش".
توعد "ترامب" اليمن بـ "الجحيم" ما لم يوقف عملياته، وحمل مع غروره ترسانة من القطع البحرية، وتبدلت حالات العدوان من العمل الجماعي إلى الثنائي ثم الفردي، واستُخدمت كل الأدوات من طرادات و(5) حاملات طائرات، في محاولة يائسة لعدم الاعتراف بالهزيمة.

أمريكا من الهجوم إلى الدفاع عن النفس

في الأثناء، كان الأمريكي يصرّ على رواية أن الهجمات اليمنية تقع بعيداً عن قطعه البحرية، ولا تمثل تهديداً. وبينما كاد العالم يصدق هذه الرواية، فاجأ "ترامب" الجميع بإعلان انسحابه بموجب اتفاق مع القوات اليمنية، والأهم أنه لم يجرؤ على خرق هذا الاتفاق.
اكتشف "ترامب" أن مواجهة اليمن ستُنهي ما تبقى من سمعته البحرية؛ فبعد أن جاء متوعداً ومهاجماً، تحوّل إلى مدافع -بالكاد- عن نفسه. لذلك فضل الانسحاب المخزي الذي لفت الأنظار إلى يمنٍ بدأ يفرض وجودَه بكونه لاعباً إقليميا مؤثرا، حيث لفظ البحر الأحمر التواجد الأمريكي بعد عقود من التحكم المطلق.

حماقات ترامب وتغيير الرؤية الدولية

انتكس الغرور الأمريكي في معركة البحر الأحمر، وبات مادة للسخرية الدولية، فحاول "ترامب" صرف الأنظار عنها بأعمال بلطجة في أوكرانيا والصين وأمريكا اللاتينية، وبموجة سرقة بالإكراه تحت مسمى "رفع الضرائب".
اتفق المراقبون على أن هذه الحماقات، وما أظهره اليمن من ثبات، غيّرت رؤية الغرب للمنطقة؛ فثمة حقائق جديدة لا يمكن تجاوزها، أهمها قدرة اليمن على إعاقة المشاريع الاستعمارية. ومع الهزيمة المؤثرة التي مني بها المتغطرس الأمريكي، بدأ اللوبي الصهيوني بالترتيب لعمل عدواني جديد، وصفه مراقبون بالحماقة التي قد تكلف العدو وجوده وما بقي له من مصالح.

محطات فارقة في معركة الإسناد

اليوم، يستعد العدو لمعركة "استعادة المكانة"، فيما يغيب عنهم ما استعد به الشعب اليمني من عدة وتكتيك ومهارة باتت تتفرد بها القوات اليمنية عالمياً. لقد أعدمت اليمن الحسابات التقليدية في تنفيذ الهجمات، وهو ما أثار ذهول الخبراء.
ينصح الخبراء اليوم الأمريكيين والإسرائيليين بإعادة حساباتهم بشأن أي عدوان على اليمن، وليستفيدوا من تجربة "معركة الإسناد" التي أنهت عصر الهيمنة المطلقة، فالسلاح المتطور وحده لا يحسم معركة أمام شعب استطاع إرهاق الأعداء بحرب غير متكافئة في كلفتها. ولا يعلم أحد ما ستحمله تفاصيل المعركة القادمة من صدمات جديدة.