موقع أنصار الله . تقرير 

 

المشروع القرآني الذي تحرك على أساسه السيد حسين بدرالدين الحوثي (رضوان الله تعالى عليه) لم يكن وليد صدفة عابرة أو لحظة قصيرة، وإنما كان نتاجا لقراءة صحيحة وشاملة على النحو التالي:

أولاً: قراءة صحيحة وتقييم دقيق لواقع الأمة وللحالة التي تمر بها الأمة الإسلامية وما تعيشه من الذلة والهوان والخزي والخنوع على أيدي أعدائها وأدواتهم في المنطقة، وما الذي أوصل الأمة إلى هذا المستنقع الخطير؟ من كان وراء ضياع الأمة؟ كل ذلك بكل مصداقية ووضوح، بعيدا عن المجاملات التي لم يعد لها قيمة في هذا الزمن.

ثانياً: قراءة متعمقة وصادقة لهذا الدين العظيم ومبادئه العظيمة وقيمه العالية بروح مسؤولة وبتجرد عن أي مؤثرات مذهبية أو غيرها، ليخرج بحلول قرآنية ربانية كفيلة بإنقاذ الأمة وإعادتها لتقوم بأداء دورها المنوط بها بكل قوة واقتدار إن تفهمت هذه الحلول وسارت في حياتها على أساسها .

 الوضعية السيئة للأمة

يقول السيد حسين رضوان الله عليه في محاضرة [الصرخة في وجه المستكبرين]: "عندما نتحدث أيضاً هو لنعرف حقيقة أننا أمام واقع لا نخلوا فيه من حالتين، كل منهما تفرض علينا أن يكون لنا موقف..

  • نحن أمام وضعية مَهِيْنة: ذل، وخزي، وعار، استضعاف، إهانة، إذلال، نحن تحت رحمة اليهود والنصارى، نحن كعرب، كمسلمين، أصبحنا فعلاً تحت أقدام إسرائيل، تحت أقدام اليهود. هل هذه تكفي إن كنا لا نزال عرباً، إن كنا لا نزال نحمل القرآن ونؤمن بالله وبكتابه وبرسوله وباليوم الآخر لتدفعنا إلى أن يكون لنا موقف؟
  • الحالة الثانية: هي ما يفرضه علينا ديننا، ما يفرضه علينا كتابنا (القرآن الكريم) من أنه لا بد أن يكون لنا موقف من منطلق الشعور بالمسئولية أمام الله سبحانه وتعالى. نحن لو رضينا -أو أوصلنا الآخرون إلى أن نرضى- بأن نقبل هذه الوضعية التي نحن عليها كمسلمين، أن نرضى بالذل، أن نرضى بالقهر، أن نرضى بالضَّعَة، أن نرضى بأن نعيش في هذا العالم على فتات الآخرين وبقايا موائد الآخرين، لكن هل يرضى الله لنا عندما نقف بين يديه السكوت؟ من منطلق أننا رضينا وقبلنا، ولا إشكال في ما نحن فيه، سنصبر وسنقبل.

فإذا ما وقفنا بين يدي الله سبحانه وتعالى يوم القيامة، هل سنقول: (نحن في الدنيا كنا قد رضينا بما كنا عليه؟). هل سيُعْفينا ذلك عن أن يقال لنا: ألم نأمركم؟ {أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ} (المؤمنون: من الآية105)؟ {أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ} (غافر: من الآية50)؟. ألم تسمعوا مثل قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا}(آل عمران: من الآية103) ومثل قوله تعالى: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (104)  وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (105) يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (106) وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} (107) (آل عمران) أليست هذه الآيات تخاطبنا نحن؟ أليست تحملنا مسؤولية؟

 الأمة تعيش حالة قبول بالباطل

ويقول في  محاضرة [سورة المائدة الدرس الأول] وهو يتحدث عن هذه الحالة التي تعيشها الأمة:

"ألف وأربع مائة سنة أليست فترة طويلة؟ ألف وأربع مائة سنة والمسلمون لم يجلسوا جلسة واحدة ليناقشوا لماذا؟ ما هو الخلل؟ ما الذي حصل حتى أصبحنا على هذا النحو؟ إلى تحت، إلى تحت، بعد كل مائة سنة هبوط هبوط، وكم قد جاء من ضربات للأمة، هذه ضربها الصليبيون ضربات شديدة، ضربها التتار والمغول ضربات شديدة، الصليبيون من قبل، والصليبيون في فترات الاستعمار المتأخرة، وهكذا ضربة بعد ضربة حتى أصبحوا الآن تحت أقدام اليهود، ولم يجلسوا ليناقشوا المسألة من جديد، ويرجعوا إلى القرآن الكريم لينظروا هل فيه حل؟ هل هو وضع حلاً؟ هل عالج المشكلة هذه؟ هل تحدث عن أسباب هذه المشكلة؟ أبداً".

ويقول في محاضرة [خطورة المرحلة] موضحا حالة اللامبالاة تجاه ما تتعرض له الأمة:

"ثم إذا كنا في واقعنا نعيش حالة من اللامبالاة بما يحدث، وإذا ما كان هناك تفاعل أمام ما يحدث، فليس أكثر من مجرد تألم لا يتحول إلى موقف! هل أن هذه الحالة يمكن أن يكون لها أصل في ديننا؟! أي أنه بتوجيهاته، بتربيته ربانا على هذا النحو، ترك فينا هذا الأثر، فها نحن نعيش حالة اللامبالاة، حالة اللااهتمام بما يحدث.

أعتقد -أيضاً- أن توجيهات القرآن الكريم، توجيهات الرسول (صلوات الله عليه وعلى آله)، سيرة أئمة أهل البيت (عليهم السلام) كلها تخلق روحاً أسمى، وأرقى، وأعلى من هذه الروحية التي نحملها.

إذاً فمن أين أتينا؟ من أين أتينا؟ عندما نرى أنفسنا، ونحن نسمي أنفسنا طلاب علم، ونسمي أنفسنا علماء، ونسمي أنفسنا متعلمين، ونسمي أنفسنا مرشدين، فمِن أين أتينا حتى أصبح واقعنا على هذا النحو؟! الله سبحانه وتعالى -في القرآن الكريم، باعتباره كتاب حياة، كتاب تربية، كتاب عمل- شهد على أن هذا الكتاب يستطيع أن يخلق روحاً عالية من خلال ما نشاهده من نظرة أولئك العظماء، مثل الأنبياء (صلوات الله عليهم)، كالنبي (صلوات الله عليه وعلى آله) وكالإمام علي (عليه السلام)، وكالحسن، وكالحسين، وأمثالهم من العظماء.

ويقول (رضوان الله عليه) في محاضرة [سورة آل عمران الدرس الأول]  متحدثا عن ضرورة البحث عن حلول وترك المجاملات في هذه المرحلة: "هذا الزمن - أيها الإخوة - هو زمن لا بد أن الناس يقفون موقفاً صحيحاً من أنفسهم، لم يعد الوقت وقت مجاملات ولا حياء ولا مداهنة... وقت مناقشة الحقائق، ومعرفة الحقائق. يكفي الناس ما يلمسونه من ذلة وإهانة وضياع لهم كمسلمين، كعرب.. يكفي.

المفروض أن يبحثوا عن الحل. الإنسان متى ما اشتد به المرض أليس هو في الأخير يشرب العلاج ولو كان مراً؟ الآن نبحث عن العلاج، ولنقبل ولو كان مراً، مع أن العلاج من قِبَل الإسلام ليس مراً، لا يمكن أن يكونْ مرّاً، لكن نفهم أن وضعيتنا أصبحت إلى درجة رهيبة.

 الانطلاقة من قاعدة التنزيه لله أولاً 

لقد بدأ السيد حسين (رضوان الله عليه) بتنزيه الله سبحانه وتعالى أولا من خلال تنزيه دينه عن هذه الوضعية السيئة التي لا يجوز أبدا أن تكون ثمرة لدينه الحق، ولا مظهراً من مظاهر كتابه العزيز، فدين الله دين كامل، جاء به رسول كامل، من إله كامل".

ومما قال في محاضرة [الوحدة الإيمانية]: "نحن نحاول أن ننظر إلى ما بين أيدينا، من أين جاء هذا الخلل، فإن كان من الدين من أساسه، وهذا ما لا يمكن أن يكون، ولا يجوز أن يكون مصدر ما نحن عليه من ضعف، وإذلال، وانحطاط، هو من ديننا. نحن نقطع بأنه ليس من ديننا ما يوحي، ولا ما يهيئ أن تكون الأمة على هذه الوضعية السيئة. دين الله هو المنهج الكامل الذي يبني أفراداً، ويبني أمة على أعلى مستوى ممكن، فلننطلق جميعاً لنفتش داخلنا".

تقييم الوضعية على أساس القرآن الكريم

وأكد بأنه لا بد من أن نقيم وضعيتنا وواقعنا على أساس القرآن الكريم، وأن نرفض أي شخص أو ثقافة أو عقيدة كانت سببا في إبعادنا عن القرآن الكريم، وبالتالي إبعادنا عن عزتنا وكرامتنا، وألا نسمع لمن يأمرنا بالسكوت حتى لا نثير أحدا. يقول في محاضرة [الوحدة الإيمانية]  

"نقول: الذي يثيرنا الآن، ويجب أن يثيرنا هو أمريكا وإسرائيل. أليس كذلك؟ هذه الوضعية الخطيرة التي يجب أن نرجع فيها إلى واقعنا، فلنرفض أي طرف مهما كان كبيراً أمامنا إذا ما اتضح لنا وتأكدنا بأنه كان وراء هذا الفشل الذريع الذي الأمة عليه، وكان سبباً من الأسباب التي أوصلت الأمة إلى هذه الوضعية السيئة، أن نرفضه، ولنعد إلى القرآن، ونعتمد على القرآن، وهو نفسه من سيكشف لنا الأشياء الكثيرة جداً".

ويجيب على من ينقد أسلوبه في توضيح الحقائق قائلاً في محاضرة [سورة المائدة الدرس الثالث]: "بالعودة إلى القرآن الكريم سنعرف أننا بحاجة إلى أن نتحدث بهذا الأسلوب، وبهذا المنطق، وإلا فنحن لسنا ممن طبائعهم حمقى أو ضيقة أو شديدو اللهجة على أي إنسان، أو يتطاولون بألسنتهم على أي إنسان. ليس هذا من طبعنا، ولكن هي الحاجة الماسة التي جعلتنا نتحدث حتى على الرغم من أننا نعلم أننا سنجرح مشاعر كثير من المسلمين بهذا الكلام.

لكننا نقول: نحن أمة مجروحة، يجب أن تبحث عن العلاج وعن سبب المرض، عن السبب الذي جعل هذا الجرح ينـزف دماً ولا نجد هناك من يلتئم الجرح على يديه. ليس عصر مجاملة، ليس عصر مداهنة، ليس زمن تغطية وتلبيس، زمن يجب أن تكشف فيه الحقائق على أرقى مستوى، وأن يتبين فيها بدءاً من هناك، من مفترق الطرق، من بعد رسول الله (صلوات الله عليه وعلى آله)، من هـو السبب في كل ما نحن نعاني منه؟

ثم يستخلص السيد بهذا التشخيص الدقيق بقوله في [الدرس الأول الثقة بالله]: "الحقيقة إذا تأمل الإنسان في واقع الناس يجد أننا ضحية عقائد باطلة، وثقافة مغلوطة جاءت من خارج الثقلين (كتاب الله وعترة رسوله صلوات الله عليه وعلى آله)".

تبيين خطورة العقائد الباطلة والثقافات المغلوطة

مما ركز  عليه شهيد القرآن (رضوان الله عليه) هو تبيين خطورة الثقافات المغلوطة وماذا عملت بالأمة، فيقول في درس المائدة [الدرس الثالث]: "هذه الأمة التي كان يريدها النبي (صلوات الله عليه وعلى آله) أن تكون هكذا على مستوى عال، على مستوى عال في واقع حياتها، في تفكيرها، في هديها، في زكاء نفوسها، أصبحت أمة دُنِّسَت بالعقائد الباطلة، تحت أقدام الجبارين من الخلفاء في مختلف العصور".

يتساءل السيد حسين رضوان الله عليه عن الذي أوصل العرب إلى هذه الوضعية، ويوضح دور الثقافات المغلوطة فيقول في محاضرة [الثقافة القرآنية]:   "ما الذي أوصل العرب إلى هذا الوضع؟ الإنسان إذا ما تُرك على فطرته يدرك أشياء كثيرة، لكن أحياناً بعض الثقافات تمسخه عن الإنسانية وتحطه، تقدم له الجبن ديناً، تقدم له الخضوع للظلم ديناً يدينُ الناس به، كما رووا في الأحاديث عن رسول الله (صلوات الله عليه وعلى آله) أنه قال: [سيكون من بعدي أئمة لا يهتدون بهديي ولا يستنّون بسنتي]، نهائياً ما يقفوا عند حد [قالوا: ماذا تأمرنا يا رسول الله؟ قال: اسمع وأطع الأمير، وإن قصم ظهرك وأخذ مالك].

العربي يوم كان جاهلياً، يوم كان على فطرته لم يكن بالإمكان إطلاقاً أن يقبل مثل هذا، لكن لما قُدِّمت لـه المسألة باسم دين، لما قُدِّم الآن - الآن في هذا الظرف - السكوت والخضوع بأنه هو الحكمة، هو السياسة، هو الرؤية الحكيمة لفلان أو فلان، هو السكوت، هو من أجل أن لا يثير الآخرين علينا، من أجل كذا، من أجل كذا. عندما يثقف الإنسان ثقافة مغلوطة هذه هي الضربة القاضية".

لقد كان السيد حسين يعرف أن المهمة ستكون صعبة، لكنه كان واثقا بالله كل الثقة، وكان يستلهم من العظماء الصبر والصمود في مواجهة الباطل. ومما قال في [استشهاد الإمام علي عليه السلام]:

"ما أحوجنا - أيها الإخوة - إلى أن نستلهم من علي (سلام الله عليه) الصبر على الحق، الصمود في مواجهة الباطل، استقبال العناء والشدائد بصدور رَحْبَة، بعزائم قوية، بإرادات لا تُقهر، برؤية واضحة، ببصيرة عالية".

المرحلة مرحلة القرآن

المرحلة في نظر السيد حسين هي مرحلة خطيرة جدا، من حيث أنها مرحلة تجلت فيها الآثار السيئة للثقافات المغلوطة والعقائد الباطلة والتي تراكمت عبر التاريخ الإسلامي.

ولكنها في نفس الوقت تمثل أفضل مرحلة على الإطلاق لمن يسيرون على منهجية القرآن الكريم، حيث هي مرحلة ظهر فيها فشل كل ما هو موجود بأيدي البشر من نظريات ومذاهب دينية وسياسية بعد أن تجلى فشلها ولم تعد تمثل أي أمل لهذه الأمة، فالأمل صار الآن معقوداً فقط على هذا القرآن الكريم، فهو الكتاب الوحيد الذي لم تلتفت إليه الأمة بعد، ولم تطبقه بالشكل الصحيح.

فيقول في [آيات من سورة الكهف]:

"تأتي هذه الأحداث من خلال تحرك الأمريكيين، تحرك الإسرائيليين، تحرك دول الغرب هذه. من يتأملها بنظرة قرآنية لا يمكن أن يحصل لديه إحباط، ولا يحصل لديه يأس، بل يمكن أن يرى هذه الفترة من أفضل وأحسن الفترات بالنسبة للإسلام، لمن يعرفون كيف يتحركون في سبيل الإسلام، فعلاً. ومن لا ينظرون نظرة قرآنية، يجدونها فترة مظلمة، وفترة رهيبة. هي فعلاً رهيبة، وخطيرة، لكن لمن لا يتحركون على هدي القرآن، فهي خطيرة، ورهيبة فعلاً، هنا في الدنيا، وفي الآخرة.

أما من يسيرون على هدي الله، على هدي كتابه -على حسب فهمنا، وتقييمنا- فإنها من أفضل المراحل في تاريخ هذه الأمة، لمن يعملون في سبيل الله فقط، لمن يتحركون في سبيل الله، وعلى أساس كتابه".

تقديم مواقف عملية

تجدر الإشارة إلى أن السيد حسين لم يفرض هذا المشروع بأي وسيلة، ولم يستخدم لغة التكفير والتفسيق لأحد، وما حصل طوال الفترة الماضية هو دفاع عن النفس وعن هذا المشروع، وأنه كان يستشعر أنه لديه الكفاءة للقيام بهذا العمل.

ومما قاله في هذا الشأن في [الدرس العاشر معرفة الله]: "ذلك أننا -وليـس دعــاية لأنفسنا- لا نجد في الساحة عملاً بالشكل المطلوب لإنقاذ الناس من الضلال…". إلى أن قال: "ونحن بحمد الله ربمـا أننا قد تأهلنا إلى أن يكون لنا عمل يكون له أثر في مجال هداية الناس وإنقاذهم".

كما أنه لم يقدم المشروع القرآني كمشروع وعظي غير مرتبط بالواقع ولا بالتحديات التي تواجهها الأمة، أي كما هو معتاد يدرس في الجامع وحسب، بل قدم مواقف عملية، وربط المشروع الثقافي بالواقع باعتباره مشروعاً عمليا وواقعيا، وهذا ما عمله وما بينه، ففي حوار مع شبكة "بي بي سي" الإخبارية أثناء الحرب الظالمة في اتصال هاتفي قال: "نحن نذكـــر الناس بالقرآن، فمَن قَبـِـل فلا بأس، ومن لا يقبل لا نرغمه على ذلك، ولا نفرض عليه أن يتوجه بتوجيهنا، ولا نكفـره، ولا نفسقه، والتذكير ليس مجرد أن نذكر أن هناك عدواً، بل يجب أن يكون هناك رؤية تقدَّم للناس، رؤية عملية يتحركون فيها، على هذا الأساس كان أمامنا قضيتان: القضية الأولى:  رفع شعار  [الله أكبر/ الموت لأمريكا/ الموت لإسرائيل/ اللعنة على اليهود/ النصر للإسلام].

القضية الثانية:  مقاطعة البضائع الأمريكية والإسرائيلية كواجب ديني".

تقديم أعظم مشروع وحدوي للأمة

السيد حسين (رضوان الله عليه) كان يعرف أهمية الوحدة الإسلامية، ولذلك فإنه حرص -من خلال تقديمه لمشروعه القرآني- على أن يقدم الرؤية القرآنية في الموضوع والتي هي رؤية جامعة لكل المسلمين على منهج القرآن الكريم، وتحت قيادة قرآنية، وعنوان قرآني [مسلمون] بعيدا عن الأطر المذهبية الضيقة.
يقول السيد حسين في محاضرة [الوحدة الإيمانية]: "قضية الوحدة، وحدة المسلمين، ووحدة المؤمنين، هي مبدأ من مبادئ دين الله المهمة، وإذا كان هناك أي مبدأ من مبادئ دين الله، أو أي تشريع من تشريعاته، هو الذي يرسم طريقة أدائه، أليس كذلك؟ هذا هو التشريع، هو الذي يرسم طريقة أدائه، وكيف يمكن أن يتم، وكيف نؤديه نحن.

ولم يقل لنا توحدوا هكذا. رسم الطريقة التي على أساسها يكون توحدنا، وهي طريقة تختلف اختلافاً كبيراً عن مسألة أن بالإمكان أن تبقى هذه المذاهب على ما هي عليه، ويجتمعوا جميعاً، وكل واحد على ما هو عليه، وكل واحد على مذهبه ضد أعداء الإسلام!

الواقع شهد بأن هذه غير ممكنة، وحدة من هذا النوع غير ممكنة، وإذا كانت ممكنة أليس في هذه الأحداث ما يجعلها واقعة لو كانت ممكنة. لو قلنا ممكنة فمتى يريدون أن يتوحدوا، متى يمكن أن يتوحدوا؟.

الوحدة الإيمانية، أو الوحدة المطلوبة من عباد الله هي وحدة إيمانية تقوم على منهج واحد، منهج واحد، وخط واحد، وقيادة واحدة، الله سبحانه وتعالى قال في القرآن الكريم: {وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ} (آل عمران103).

عملوا منظمة المؤتمر الإسلامي وفشلت، وعملوا جامعة الدول العربية ولم يكن لها أي دور يذكر. ولا أن نقول: ما دام أننا قد صرنا مذاهب متعددة فكل واحد على أصله، وننطلق جميعاً نتوحد! ما هذه أيضاً فكرة مزاج؟ نفس الشيء، لا يمكن أن يتحقق.

الوحدة، الله رسم طريقها باعتبارها مبدأً مهماً من مبادئ دينه، هو الذي حدد كيف تكون، وتحت قيادة من، وعلى أساس ماذا، على أي أساس تقوم، هو الذي رسم رسماً كاملاً لما يؤدي بالمؤمنين إلى الوحدة.

ولاحظوا أن الوحدة الإيمانية المطلوبة من قبل الله سبحانه وتعالى من عباده هي نفسها المنسجمة مع فطرة كل واحد من المسلمين في الواقع، أن كل واحد في الواقع يعترف بأنه فعلاً أن أرقى توحد يكون له تأثير هو أن يكون الناس على منهج واحد، وكل واحد يعرف أنها مسألة مجاملة، أو مسألة تلفيق، أن نقول: يتوحدون وهم على ما هم عليه، وكل واحد يبقى على ما هو عليه. كل واحد يعترف أنها قضية تلفيق.

وأنها أيضاً لا تحظى أمة على هذا النحو متفرقة، لا تحظى بنصر إلهي أبداً، أبداً، لماذا؟ لأن المسلمين أساساً عندما يُطلَب منهم أن يتوحدوا هو ليحملوا رسالة واحدة، يتوحدون لينشروا دين الله؛ ليعلوا كلمة الله، ينشرون هذا الدين في أوساط الأمم الأخرى، ودينه واحد.

عندما يتحرك أبناء هذه الأمة وهم عدة طوائف متفرقة، مذاهب متعددة، مختلفة في عقائدها، مختلفة في أحكامها الفقهية، مختلفة في تشريعاتها، مختلفة في مواقفها، مختلفة في أعلامها، أليسوا هم من سيوصلون الدين إلى أي بقعة أخرى بشكل مفرق؟".

كما تناول الموضوع في دروس ومحاضرات أخرى لا يتسع المجال هنا لذكرها.

في الختام لقد وضع السيد حسين (رضوان الله عليه) اليد على الجرح، شخص الواقع وقدم الحل من خلال القرآن، داعيا أبناء الأمة إلى عودة صريحة إلى كتاب الله، بلا وسائط مزيّفة ولا ثقافات دخيلة، عودة تُحمِّل الإنسان مسؤوليته، وتعيد تعريف الإيمان بوصفه موقفاً وعملاً لا مجرد انتماء. هو مشروع كشفٍ لا مجاملة، وبصيرةٍ لا تهويم، ووحدةٍ تقوم على الاعتصام  بحبل الله، وفي هذه المرحلة المفصلية التي تمر بها أمتنا والقرآن ما زال بين أيدينا، والحجة قائمة، والمرحلة مرحلة فرز، فإما وعيٌ يتحول إلى مسار، أو تكرارٌ للتيه، {لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ}.