موقع أنصار الله . تحليل | أنس القاضي
يتشكّل في الإقليم نمطٌ جديد من إعادة التموضع السياسي والأمني تقوده التحوّلات المتسارعة في البحر الأحمر والقرن الأفريقي. وفي هذا السياق، تتزايد مؤشرات تقارب سعودي تركي مصري على مستويات سياسية واقتصادية وأمنية، بالتوازي مع تمدد إماراتي إسرائيلي في فضاءات القرن الأفريقي وحول باب المندب، خصوصاً عبر ملف "أرض الصومال" والموانئ والسواحل الاستراتيجية. لا تعكس هذه التطورات تَشكّلَ حلفٍ صلبٍ بالمعنى المؤسسي، بقدر ما تشير إلى اصطفافٍ مرن يتّجه نحو منع اختلال التوازن في المجال الحيوي الممتد من شرق المتوسط حتى باب المندب، في ظل تصاعد التنافس على الممرات البحرية ونقاط الارتكاز الجيوسياسية.
الجدير بالذكر أنه ليس لهذا الاصطفاف موقف تحرري وأخلاقي ضد الكيان الصهيوني وضد الولايات المتحدة الأمريكية، فهو ليس تمرداً على الهيمنة الغربية، إنما إعادة تموضع تحت ذات الأفق الغربي ذاته، ودفاعاً من هذه الدول عن مصالحها المباشرة لا عن القضايا المركزية للأمة، فالكيان الصهيوني يُنظر إليه كمنافس أكثر من كونه عدواً، خصوصاً الموقف التركي السعودي.
يتحرك التقارب السعودي التركي المصري داخل بيئة استراتيجية مضطربة تعيد صياغة أولويات الأمن القومي للدول المركزية في المنطقة؛ فقد تجاوز البحر الأحمر طبيعته التجارية كممرٍ ملاحي ليصبح مجالاً للصراع على النفوذ والتموضع العسكري والاقتصادي، مع ارتباط مباشر بأمن الطاقة والتجارة الدولية، وكونه الخيط الناظم لملفات السودان واليمن والقرن الأفريقي.
في هذا الإطار، تتقاطع مصالح الرياض والقاهرة وأنقرة حول منع تفكك الدول الساحلية المطلة على البحر الأحمر والقرن الأفريقي، واحتواء مشاريع النفوذ المرتبطة بالموانئ والقواعد العسكرية، كما أن إعادة توزيع الأدوار داخل اليمن وتراجع الحضور العسكري الإماراتي المباشر في بعض مناطقه، إلى جانب تحولات المشهد في الصومال الفدرالية، أسهمت في خلق انطباع لدى هذه الدول بأنها تمكنت من تثبيت قدرٍ من التوازن في بعض الساحات، وتسعى إلى الحفاظ عليه ومنع إعادة اختلاله.
تتراكم مؤشرات التقارب بين الدول الثلاث عبر مسارات متوازية تشمل الاقتصاد والدفاع والسياسة الإقليمية. فقد توسّع التعاون التركي السعودي في مجالات الطاقة والتصنيع الدفاعي والاستثمار، ويجري ربطه بخطابات الاستقرار وإعادة الإعمار، ما يمنحه بعداً يتجاوز الشراكات الاقتصادية التقليدية. وفي الوقت نفسه، يتطور المسار التركي المصري عبر إعادة بناء العلاقات السياسية وتوسيع مجالات التعاون التجاري والأمني، مع حضور خطاب سياسي يؤكد على "وحدة الدول ورفض مشاريع التفكيك".
يظهر البعد الأكثر حساسية في هذا التقارب في الاهتمام المشترك بالبحر الأحمر والقرن الأفريقي، حيث تتقاطع الرؤى حول حماية الممرات البحرية ومنع تحوّلها إلى ساحات نفوذ منفردة. هذا التقاطع لا يُترجم حتى الآن إلى تحالف رسمي، لكنه يأخذ شكل تنسيق تدريجي يتجه نحو بناء أرضية مشتركة لإدارة التوازنات في الإقليم.
في المقابل، تتزايد المخاوف من ترسّخ نمط نفوذ إماراتي إسرائيلي في القرن الأفريقي، خاصة عبر التحركات المرتبطة بالموانئ والشراكات الأمنية والعلاقات السياسية التي تمنح بعض الكيانات المحلية وزناً سياسياً واقتصادياً متصاعداً. ويُنظر إلى هذا المسار بوصفه محاولة لخلق نقاط ارتكاز قريبة من البحر الأحمر، بما يفتح المجال لتأثير مباشر على الممرات البحرية وعلى التوازنات الأمنية في محيط اليمن والسودان والصومال.
ولا يقتصر الحضور الإماراتي على البعد الاقتصادي، إذ ارتبط خلال السنوات الماضية بتموضعات عسكرية وأمنية مباشرة في بعض السواحل والجزر، قبل أن يتجه تدريجياً نحو إعادة تموضع يقوم بدرجة أكبر على الشبكات الاقتصادية والأمنية غير المباشرة، ويؤدي هذا النمط إلى إثارة قلق قوى إقليمية أخرى ترى فيه سعياً لتثبيت حضور طويل الأمد في المجال البحري الحيوي.
تتعامل السعودية وتركيا ومصر مع اليمن من زاوية تتجاوز البعد الداخلي للأزمة، إذ تنظر إليه هذه الدول بوصفه جزءاً من منظومة الأمن الإقليمي المرتبطة مباشرة بالبحر الأحمر وباب المندب. لذلك يتكرر في خطابها السياسي التأكيد على وحدة اليمن وسيادته وسلامة أراضيه، لكن هذا التأكيد يرتبط أيضاً بحسابات أمنية واستراتيجية تتعلق بمنع تفكك الدولة إلى كيانات متنازعة قد تتحول إلى نقاط نفوذ لقوى إقليمية ودولية منافسة.
تتبنى السعودية مقاربة تقوم على الحفاظ على الحد الأدنى من وحدة الدولة اليمنية بوصفها ضرورة أمنية مباشرة لأمنها الحدودي ولضبط المجال الجغرافي المحاذي لها. وذلك لا يعني -بالتأكيد- سعيَها لإعادة بناء دولة مركزية قوية، بل هو توجه نحو إدارة توازنات داخلية تمنع تشكّل كيان يمني قوي على حدودها، وفي الوقت نفسه تحول دون انفصال الجنوب أو تشظي البلاد إلى كيانات صغيرة يصعب احتواء تداعياتها.
أما مصر فترتبط مقاربتها لليمن بموقعه في معادلة أمن البحر الأحمر وقناة السويس، إذ ترى القاهرة أن تفكك اليمن أو تحوله إلى كيانات منفصلة قد يفتح المجال أمام قوى إقليمية للتموضع قرب واحد من أهم شرايين التجارة العالمية، ما قد ينعكس مباشرة على أمنها الاقتصادي والاستراتيجي.
في المقابل، تنظر تركيا إلى اليمن -رغم محدودية نفوذها المباشر في المناطق المحتلة- من زاوية أوسع تتعلق بالتوازنات الإقليمية وبحضورها في البحر الأحمر والقرن الأفريقي.
يتقاطع موقف هذه الدول عند نقطة أساسية تتمثل في الخشية من أن يؤدي تفكك اليمن إلى خلق واقع جغرافي جديد على الضفة المقابلة للبحر الأحمر يسمح بتموضع قوى أخرى مثل الإمارات و"إسرائيل" في الجزر والموانئ والسواحل الاستراتيجية، وهو ما يجعل القبول بوحدة اليمن جزءاً من حسابات السيطرة على المجال الحيوي البحري.
لا تشير المعطيات الراهنة إلى تشكّل حلفٍ صلبٍ أو محورٍ متماسك بقدر ما تشير إلى اصطفافٍ مرن يقوم على تقاطع المصالح والتهديدات المشتركة. تتحرك الدول الثلاث ضمن منطق الموازنة الاستراتيجية لا ضمن مشروع سياسي موحّد، كما أن العلاقة السعودية الإماراتية نفسها لا تتجه نحو قطيعة، بل نحو إعادة صياغة النفوذ وتقليل الاحتكاك وتوزيع الأدوار داخل المجال الإقليمي.
يعكس هذا الاصطفاف المرن انتقال المنطقة من مرحلة كان فيها التأثير الغربي أكثر حضوراً في إدارة أمن البحر الأحمر وخطوط التجارة، إلى مرحلة تتعدد فيها مراكز القوة الإقليمية وتتداخل مصالحها. وفي هذا السياق تسعى السعودية ومصر وتركيا إلى الحد من تثبيت نقاط ارتكاز طويلة الأمد لقوى منافسة في موانئ وجزر القرن الأفريقي والسواحل المقابلة لليمن، خصوصاً في مناطق مثل بربرة ومحيط باب المندب، لما تمثله من تأثير مباشر على أمن الملاحة.
في المقابل، تعمل الإمارات -عبر شبكاتها الاقتصادية والأمنية، وبدعم من علاقاتها المتنامية مع "إسرائيل"- على توسيع حضورها في القرن الأفريقي والبحر الأحمر، بما يمنحها قدرة أكبر على التأثير في حركة التجارة والطاقة، وفي البيئة الأمنية المحيطة باليمن والسودان.
لذلك لم تعد السيطرة على الممرات البحرية بالنسبة للدول الإقليمية مسألة اقتصادية مرتبطة بالتجارة فقط، بل أصبحت مرتبطة مباشرة بإدارة الصراعات الإقليمية وبناء أدوات ضغط وردع. فوجود قواعد أو شراكات في موانئ القرن الأفريقي، أو القدرة على التأثير في باب المندب والبحر الأحمر، يمنح هذه الدول قدرة على حماية مصالحها ومراقبة خصومها والتأثير في مسارات الأزمات الممتدة من اليمن والسودان إلى شرق إفريقيا.
يتجه الإقليم نحو مرحلة إعادة اصطفاف بطيئة تتشكّل فيها ترتيبات موازنة مرنة أكثر من تحالفات صلبة. ويتقدّم التقارب السعودي التركي المصري بوصفه استجابة استراتيجية لقلق متزايد من تحولات البحر الأحمر والقرن الأفريقي، لا بوصفه مشروع محور متكامل. وفي المقابل، يدفع تمدد النفوذ الإماراتي الإسرائيلي في الموانئ والجزر والممرات البحرية إلى تسريع بناء شبكات تنسيق موازنة تهدف إلى منع احتكار المجال الحيوي البحري.
وتشير المؤشرات إلى أن الصراع سيتخذ طابعاً تنافسياً منخفض الحدة لكنه طويل الأمد، مع استمرار محاولات كل طرف تثبيت موطئ قدم في العقد الجيوسياسية الممتدة من السودان إلى باب المندب، ما يجعل البحر الأحمر ساحة مركزية لإعادة تشكيل توازنات القوة في الإقليم خلال المرحلة القادمة.