في زمن يموج بالفتن، وتتكاثف فيه غيوم اليأس على كثير من أبناء الأمة الإسلامية، تظل كلمات الله النيرة منارة هدى تهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم، إن الحديث عن قصة نبي الله موسى عليه السلام، كما يعرضها السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي -يحفظه الله- في محاضراته الرمضانية التاسعة، هو تشخيص دقيق لواقع الأمة اليوم، ورسم واضح لسبيل الخلاص من ربقة الطغيان الصهيوني الأمريكي، ففي كل مشهد من مشاهد هذه القصة العظيمة، نجد ضوءاً يكشف لنا خفايا الصراع الأبدي بين الحق والباطل، ويمدنا بزاد من اليقين والثبات.

 وصل بنا الحديث إلى لحظة فارقة في حياة نبي الله موسى عليه السلام، بعد أن رده الله إلى أمه لتنعم بقرة عينها، وليتحقق وعد الله لها، ولكن هذا الرد لم يكن مجرد لم شمل أسري، بل كان بداية مرحلة جديدة من الإعداد الإلهي لهذا النبي العظيم، ليصنع على عين الله، وليكون مهيأً لحمل الرسالة الكبرى في المستقبل، فهي دروس لا تنقضي في معنى الثقة بوعد الله، وفي كيفية النشأة في أحضان الطغيان دون التأثر به، وفي استشعار آلام المستضعفين حتى في قمة النعيم.

 وعد الله حق: بين اليأس البشري واليقين الإيماني

يختم الله تعالى الآية الكريمة بقوله: {فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ}. في هذه الآية المباركة تتجلى حقيقة كبرى، هي أن تحقيق وعد الله لعباده المؤمنين ليس مجرد حدث عابر، بل هو تثبيت لقلوبهم، وزيادة في إيمانهم، وتعليم لهم بأن الله لا يخلف الميعاد، لقد وعد الله أم موسى بأنه سيرد ولدها إليها، وسيجعله من المرسلين، فكان أن تحقق هذا الوعد في وقت مبكر، وبطريقة عجيبة، لتعلم أن الله صادق في وعده، وأن رعايته لا تتخلى عن عباده الذين يتوكلون عليه حق توكله.

ثم يأتي قوله تعالى: {وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} ليوجه أنظارنا إلى حقيقة مؤسفة، تتكرر على مر العصور والأجيال، إن أكثر الناس يجهلون هذه الحقيقة العظيمة، أن وعد الله حق، وأنه لا محالة واقع، مهما طال الزمن، ومهما استكبر الطغاة وتجبروا، إنهم ينظرون إلى القوى الظالمة بمنظار مادي بحت، فيرون قوتها العسكرية الهائلة، وإمكاناتها الاقتصادية الطائلة، وسيطرتها السياسية المستحكمة، وقدرتها الإعلامية الجبارة، فيصلون إلى حالة من اليأس والإحباط، يتصورون معها أن هذه القوى ستبقى إلى الأبد، وأنه لا قبل لأحد بمواجهتها.

هذا الجهل هو أخطر ما تعاني منه الأمة الإسلامية اليوم، إنه جهل بالله سبحانه وتعالى، وبأسمائه الحسنى وصفاته العلى، وجهل بسننه الثابتة في الكون والمجتمعات، التي لا تتبدل ولا تتغير، وجهل بأحداث التاريخ، الذي يخبرنا أن أعتى الإمبراطوريات وأقوى الدول سقطت في النهاية، مهما بلغت قوتها وعظمتها، إن بريطانيا التي كانت يوماً لا تغيب عنها الشمس، انتهت إمبراطوريتها واندثرت، والاتحاد السوفيتي الذي هز العالم، تفكك وانهار، وأمريكا اليوم تشهد تراجعاً في هيبتها ونفوذها، وهذه سنة الله في الذين خلوا من قبل، ولن تجد لسنة الله تبديلاً.

إن العدو الإسرائيلي الذي نراه اليوم يمارس أبشع الجرائم بحق الشعب الفلسطيني، ويقتل الأطفال والنساء، ويسرق الأعضاء البشرية والجلود، ويتفاخر بذلك، هو في الحقيقة يعيش آخر أيامه، أو على الأقل مرحلة الاحتضار الطويلة، ولكن الجهل بحقيقة وعد الله هو الذي يجعل كثيرين يتصورون أن هذا الكيان الغاصب سيبقى، وأنه لا قبل للأمة به، إن وعد الله في سورة الإسراء واضح لا لبس فيه: {وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا}. فهي سنة ثابتة، كلما عاد بنو إسرائيل إلى علوهم واستكبارهم وإفسادهم في الأرض، عاد الله بالتسليط عليهم، وتقويض كيانهم، وإسقاط ما هم فيه من قوة وعتو.

 ثمن التأخير ومسؤولية الأمة

ولكن السؤال المصيري الذي يطرحه السيد القائد في هذه المحاضرة هو: ما دام زوال هذا الكيان محتوماً، فلماذا التأخير؟ ولماذا هذه الأثمان الباهظة التي تدفعها الأمة يومياً من دماء أبنائها وأرضها ومقدساتها؟ الجواب يكمن في موقف الأمة نفسها، إن وعد الله بنصر المؤمنين وزوال الظالمين مشروط باستجابة الأمة وتحركها الصحيح، فالله لا ينصر قوماً لا ينصرونه، ولا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.

إن التأخير في زوال العدو الإسرائيلي، وتعظيم الأثمان التي تدفعها الأمة، يتعلق بشكل مباشر بموقف الأمة وسلوكها، فحين تنحرف الأمة عن منهج الله، وتتخلى عن مسؤولياتها، وتنقاد للحكومات والأنظمة التي تسلك مسار التطبيع والسلام الواهم مع هذا العدو الغاشم، فإنها بذلك تطيل عمره، وتمكنه من تحقيق مزيد من جرائمه، وتزيد الكلفة على نفسها أضعافاً مضاعفة.

إن ما تقوم به الأنظمة العربية في معظمها من مساعٍ لفرض توجهها الخاطئ، تحت عناوين براقة مثل "السلام" و"التطبيع" و"العلاقات الطبيعية"، ليس إلا خدمة مجانية للعدو الصهيوني، وتمكين له من تحقيق أهدافه في ظلم الأمة واضطهادها، إنهم يقدمون للعدو المال والعلاقات والشرعية، ويقدمون للشعوب بيانات الإدانة والشجب التي لا تسمن ولا تغني من جوع، وهم بذلك يطيلون أمد المعاناة، ويزيدون في ثمنها الباهظ، حتى يأتي وقت الرحيل والزوال المحتوم، ولكن بعد أن تكون الأمة قد دفعت ثمناً مضاعفاً من دمائها وأرضها وكرامتها.

وهذه دعوة صريحة لإعادة النظر في علاقتنا مع القرآن الكريم، ومع حقائقه الثابتة، إن علينا أن نؤمن إيماناً يقينياً بأن وعد الله حق، وأن ننظر إلى الواقع من خلال هذا الوعد، لا من خلال قوة الأعداء الظاهرية، علينا أن ندرك أن العدو الصهيوني واضح وصريح في عدائه للإسلام والمسلمين، في ثقافته وما يسمى "التلمود"، في تصريحات وممارسات مسؤوليه، في الإبادة الجماعية وسرقتهم للأعضاء البشرية، إنه عدو لا يقبل التعايش، ولا تنفع معه الاتفاقيات والمواثيق، بدليل ما يحدث يومياً في الضفة الغربية وغزة وفلسطين المحتلة ولبنا ومختلف المناطق، أمام هذا الوضوح، لا يبقى أمام الأمة إلا طريق واحد: الإيمان بوعد الله، والتحرك العملي على أساسه، والأخذ بالأسباب المادية والمعنوية لتحقيق النصر وتقليل زمن المعاناة.

 صناعة القادة على عين الله

بعد أن رد الله موسى عليه السلام  إلى أمه، بدأت مرحلة جديدة من الإعداد الإلهي لهذا النبي العظيم، إنها المرحلة التي وصفها الله بقوله: {وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي}. لقد تولى الله سبحانه وتعالى بنفسه رعاية نبيه موسى وتربيته وإعداده للمهمة العظيمة التي تنتظره، وهذا الإعداد الإلهي تم في ظروف فريدة، جعلت من موسى عليه السلام نموذجاً فريداً.

لقد نشأ نبي الله موسى عليه السلام في القصر الفرعوني، برعاية امرأة فرعون التي أحبته حباً عظيماً، وفي نفس الوقت في حضن أمه الحقيقية التي كانت ترضعه وترعاه في بيئتها الطبيعية، وهذه النشأة المزدوجة جعلته في موقع متميز، لم يتأثر بوضعية الطغيان والاستكبار رغم وجوده في القصر، فلم ينشأ مترفاً بطراً ولا مبالياً بآلام الآخرين، وفي نفس الوقت، كان بمنأى عن حالة الإذلال والقهر التي كانت تعاني منها الفئة المستضعفة من بني إسرائيل، فلم تنكسر نفسه، ولم تحطم معنوياته.

وقد نتج عن هذه التربية الإلهية الفريدة أن أصبح موسى عليه السلام شاباً يحمل أوجاع المستضعفين وآلامهم في قلبه، رغم أنه يعيش في نعيم القصر وأمانه، لم يقل في نفسه: "الحمد لله أنا في هذا القصر في وضع آمن، والآخرون يقتلون ويهانون"، بل كان يهتم بأمر المستضعفين غاية الاهتمام، ويشعر بمظلوميتهم، ولا يرى النعيم الذي هو فيه شيئاً يذكر أمام ما يراه من جبروت فرعون وطغيانه.

هذه النشأة تحمل درساً عظيماً للأمة في كيفية صناعة القادة الربانيين، إن القائد الذي يريده الله للأمة، ليس ذلك الذي ينشأ في عزلة عن الواقع، ولا الذي يغرق في آلام الناس فينكسر، بل هو الذي يجمع بين العزة والكرامة التي تمنحه إياها رعاية الله، وبين الوعي العميق بآلام المستضعفين ومعاناتهم، إنه الذي يرى الظلم بعينيه، ولا يرضى به، وفي نفس الوقت لا تحطمه مشاهدته، بل تزيده إصراراً على التغيير.

ولما بلغ نبي الله موسى أشده واستوى، واكتملت قواه الذهنية والبدنية، ووصل إلى سن الرشد والنضج الفكري، آتاه الله حكماً وعلماً، إنه التأهيل الإلهي الكامل لهذا القائد الرباني، الذي سيكون على يده خلاص بني إسرائيل من طغيان فرعون، وهكذا هي سنة الله في اصطفاء القادة، يعدهم ويرعاهم، ويمنحهم الحكمة والعلم، ويجعلهم على عينه، حتى إذا حان الوقت المناسب، انطلقوا يؤدون رسالتهم العظيمة.

ختاما

إن قصة نبي الله موسى عليه السلام، كما يعرضها السيد القائد في هذه المحاضرات، هي مرآة صادقة تعكس واقع الأمة الإسلامية اليوم في صراعها مع الطغيان الصهيوني الأمريكي، ففي هذه المرحلة المفصلية من تاريخ الأمة، نحن أحوج ما نكون إلى استلهام هذه الدروس العظيمة، درس الثقة بوعد الله، الذي لا يخلف أبداً، رغم طول الليل واشتداد الظلام. ودرس المسؤولية العظيمة الملقاة على عاتق الأمة، حيث أن زمن زوال الظلم ومعاناة الأمة يتوقف على مدى استجابتها لله وتحركها الصحيح. ودرس صناعة القادة الربانيين، الذين يجمعون بين العزة والكرامة، وبين الوعي العميق بآلام شعوبهم، والاستعداد للتضحية في سبيل خلاصهم.

إن العدو الصهيوني اليوم، بكل جرائمه وإبادته الجماعية، وسرقته للأعضاء البشرية، واحتقاره للإنسانية جمعاء، هو تجسيد حي لطغيان فرعون وجبروته، وهو مثل فرعون، مصيره إلى زوال محتوم، ولكن متى وكيف؟ هذا ما يتوقف على موقف الأمة، إن الأثمان الباهظة التي تدفعها الأمة يومياً في غزة وفلسطين ولبنان وسوريا وكل بقاع العالم الإسلامي، هي دافع للصحوة، وللعودة إلى الله، وللإيمان الحق بوعد الله، وللتحرك العملي على أساس هذا الإيمان، بالأخذ بالأسباب المادية والمعنوية، والصبر والثبات على طريق المواجهة حتى يحقق الله وعده، ويمكن لعباده المؤمنين في الأرض.