موقع أنصار الله . تقرير | وديع العبسي

شاءت أمريكا أو أبت. تصنّعت تجاوز الأثر بأسلوبها في القفز إلى الأمام خشية استمرار الأرق كلما تذكرت انتكاستها في البحر الأحمر، أو سلمت بتلك النتيجة والتزمت دلالتها على صعيد كبح غطرستها عن التفكير في الانتقام واستعادة هيبتها التي غرقت في قعر البحر الأحمر، في كل الأحوال لا تزال قراءة الحدث تكشف عن الكثير من الحقائق الصادمة للغرور الغربي عموما والأمريكي بشكل خاص.

أمريكا التي عرفها العالم كملكة للبحار لم تعد تتفرد بالقدرة على فرض املاءاتها وعقوباتها وتعيين خطوط الملاحة وتوجيهها، وإدارة مصالح الدول بالطريقة التي لا تتعارض مع مصالحها وإن كان في غير صالح هذه الدول، فقد أثبت اليمن بعون من الله سبحانه، أن أمريكا بالفعل ليست إلا "قشة" إذا ما برز لها من يتعامل معها بندية دون تهيّب من الهالة التي ترسخت في ذهنية العالم بسبب الخضوع والقبول بهيمنتها.

في البحر الأحمر لم تدخل أمريكا لتدارك حالة المهانة التي تعرض لها الكيان الصهيوني بخضوعه للحصار البحري اليمني وحسب، وإنما عقب شعورها بأن اليمنيين يحاولون إعادة تشكيل القوى بما يقزم من حضورها وتأثيرها ويسحب منها ميزة التفرد بفرض الحصار على الأمم.

فاليمن يدخل بجرأته منطقة النفوذ الأمريكي الإسرائيلي ويقدم نفسه كقوة موازية وإن بإمكانات أقل، كما يصادر على الإمبراطورية الأمريكية التفرد بصلاحية اخضاع الآخرين للحصار ويفرض بدوره حصارا على المحتل الإسرائيلي لا تزال تداعياته تضرب اقتصاده. بل إن اليمن يتفوق إنسانيا وأخلاقيا فتحركه لم يكن بقصد النهب كحال سلوك واشنطن، وإنما بدافع نجدة مستضعفين فلسطينيين استفرد بهم كيان محتل يعاني حالة اختلال في هرموناته البشرية.

التعويل الأمريكي على التهويل والتضخيم

حين فرض اليمن الحصار على العدو "الإسرائيلي"، غرق البيت الأبيض بالمراسلات من كل اتجاهات الأرض تشكو اليمن وتطلب من ملكة البحار التحرك والدفاع عن صلاحياتها، فهي الدولة التي منحت نفسها الحق الحصري في فرض العقوبات والحصار.

كسر اليمن هذه القاعدة وفرض حصاره، فكشف هذا الفعل الحجم الطبيعي لأمريكا. لم يتجاوز الأمر فقط زلزلة حالة الاسترخاء التي تعيشها هذه الدولة المارقة وركونها إلى قدرة هيبتها في قلوب الأنظمة على ضبط إيقاع حركة العالم دون أن تكون حاضرة بشكل مباشر. بل أصابتها في مقتل حين استهدف الحصار، المندوب الصهيوني المجند في المنطقة لنشر الخوف وتهديد الأمن وإقلاق السكينة كما ولخدمة مصالح الغرب الاستعماري ونهب مقدرات المنطقة.

كان رد الفعل الأمريكي في مستوى الجرأة والتحدي اليمني، إلا أن تكتيك التهويل بالتحشيد والتضخيم الإعلامي التحرك العسكري، لم يسعف متغطرس البيت الأبيض. وحين شن عدوانه الخاص، أو متعدد الهوية في تحالفات هزيلة، أيقن أن الأمر جلل، وأنه يتعامل مع وضع مختلف، رماله متحركة وتكاد تبتلعه.

تحوّل جذري في القدرات

في تقريرٌ استقصائي موسّع أكد المركَز البحثي الدولي "سينشري إنترناشونال" أن اليمن نجح خلال عقد من الزمن في انجاز تحوّل جذري على صعيد قدراته ليصير قوة عسكرية مؤثرة على المستوى الإقليمي والدولي، وبفرض تحديات على القوى الدولية. وفي التكتيك والمهارة القتالية أظهرت القوات اليمنية قدرة على تنفيذ عمليات "نوعية" أذهلت المراقبين، مما حولها إلى مدرسة في الحرب البحرية غير المتكافئة.

السمة العالمية في ما صار عليه اليمن، أكدت عليه المراكز الدولية المتخصصة في الشأن العسكري استنادا إلى القراءات التحليلية للعمليات اليمنية والتي صُنفت باعتبارها تهديدات استراتيجية للقوى العالمية، وهي تلك التي تحاوزت وضعية الإمكانات المحدودة ونجحت في استهداف بوارج أمريكية غربية وإسرائيلية، ما أدى إلى إقرار القوى الدولية بعجز واشنطن عن فرض حضورها في ملاحة البحر الأحمر. وفك الحصار عن المحتل "الإسرائيلي".

تحدي من نوع مختلف

على مدار العامين من الفاعلية اليمنية ترسخت حقيقة هذا الحضور الاستثنائي، وباتت منظومة الدول المتقدمة على يقين بأن الحالة اليمنية تمثل نموذجا للثبات عن ثقة، وللقيادة التي فهمت لعبة الإرهاب بالتخدير والتثبيط، فتجاوزت ذلك وتحركت بشكل جاد لامتلاك أدوات الدفاع والهجوم، "نموذج للمقاومة غير تقليدي"، مثّل باعثا إجباريا لخروج داني سيترينوفيتش، المسؤول السابق في الاستخبارات الصهيونية، بقوله: "الجني خرج من القمقم.. اليمنيون يمثلون تحدياً من نوع مختلف".

لهذا فان المخاوف تخيم على هذه الدول من تهور "إسرائيل" لكسر ما يسمى باتفاق وقف إطلاق النار في غزة، إذ أنها على قناعة بأن اليمن حينها سيعاود مباشرة عملياته التي أوجعت قوى عظمى خلال العامين الماضين.

تؤكد هذه الحسابات على أن اليمن بالفعل أصبح قوة مؤثرة. كما أن عملياته تمنحه صفة عالمية، بعد مواجهته دول الصف الأول في القائمة العالمية العسكرية مثل أمريكا ودفعها للانسحاب، وفرض حصارا على حليفهم "الإسرائيلي" خلال حملته الهمجية على غزة، وكبّل اقتصاده، وعجزت الأساطيل الأمريكية والغربية عن كسره، وأجبر تلك الدول على التكيّف مع هذا الحصار ما لم يتم وقف الحرب على غزة. وبحسب هيئة الإذاعة الأسترالية (ABC)، فإن اليمنيين باتوا "قوة استراتيجيةً" يصعب احتواء تهديداتها، حتى مع استمرار الهدنة، حيث نجحوا في فرض نموذج مقاومة غير تتقليدي "يعتمد على التكتيكات المرنة والتوسع خارج الحدود اليمنية".

 

المفاجأة والترويع والصدمة

يؤكد موقع newsfrol الروسي، أن اليمن برز "كقوة عظمى" تحدت هيمنة الولايات المتحدة. ويقول الموقع في تقرير "يبدو أن القوة العظمى التي تحدت الهيمنة العالمية ليست الصين ولا روسيا، بل هي حركة “أنصار الله” في اليمن. إنها القوة الحقيقية". فيما أكدت هيئة البث الألمانية “دي دبليو” بان "حركة أنصار الله في اليمن تتجه لإعادة تشكيل خارطة الشرق الأوسط، فهي الأنشط من بين فصائل المحور والأكثر تأثيرا".

ولأن اليمن برز كقوة إقليمية تمتلك عنصر المفاجأة والترويع والصدمة، حسب تحليل سياسي، فإن تثبيته الحصار على كيان كان يرى فيه الغرب واجهة قوية وحامية لمصالحه في الشرق الأوسط، قلب كل الموازين والمعادلات، إذ نفذ إجراء لم تجرؤ عليه دولة في العالم.

الموقع الروسي وعلى ضوء مواجهة البحر الأحمر العسكرية، قدم اليمن كقوة موازية للقوة الأمريكية، ومنافِسة على جذب المواقف الدولية، ليؤكد -الموقع- على أن العالم شهد حذرا لدى الدول من إعلان موقفها بالانحياز لليمن أو للولايات المتحدة، وهو ما شكل طارئا مقلقا للقطب الأمريكي الذي يعتبر أن دخوله في حالة مفاضلة مع اليمن يعد انتكاسة، وقضمة أخرى من موقع الصدارة بلا منازع. وشاءت أو أبت فإنها باتت مجبرة على التخلي عن غطرستها ومراعاة هذه القوة الجديدة في حساباتها الجيوسياسية.

قوة صلبة تعمل باستقلالية

ولم يأتي الإقرار بتمكن اليمن من فرض حصارا على "إسرائيل" من فراغ، وإنما من معايشة تفاصيل محاولات قوى عظمى لكسر الحصار، ثم الانتهاء إلى تكريس النظرة المتبدلة عن قدرات هذه القوى على الردع. ذكر تقرير لشركة "Azure Strategy" البريطانية المتخصصة في الاستشارات الاستراتيجية، أن "اليمنيين باتوا قوة صلبة تعمل باستقلالية، وتؤثر إقليميا ودوليا، ولا يمكن تجاهلها".

عقب توقف العمليات اليمنية واستمرار شركات العالم بمقاطعة الإسرائيلي لعدم اليقين من أمان الحركة بسبب عدم الثقة بكيان العدو في الالتزام باتفاق وقف إطلاق النار، أعاد المراقبون قراءة حيثيات ما قبل دخول أمريكا ثم خروجها، ليصلوا إلى نتيجة ثابتة وقاطعة بأنها قد فقدت قوة الردع، ولم تعد ضامن يمكن الوثوق به. لهذا ركزت القراءات على تحليل القدرات اليمنية، ليس من منطلق الامكانات المادية، وإنما من منطلق القدرة على تطويع الأحداث والمتغيرات، وعلى فهم العدو ونقاط ضعفه، ومن ثم وضع خطط التحرك وفق ذلك.