موقع أنصارالله- محمد ناصر حتروش:
يتجدد حضور القضية الفلسطينية في الوعي العربي والإسلامي مع حلول يوم القدس العالمي، الذي يتحول كل عام إلى مناسبة سياسية وثقافية تعيد تسليط الضوء على مركزية القدس في معادلات الصراع مع العدو الصهيوني . وفي ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها المنطقة، يبرز هذا اليوم بكونه محطة لتجديد الموقف الشعبي والرسمي تجاه القضية الفلسطينية، وإبقاء القدس في صدارة الاهتمام رغم محاولات تهميشها أو إخراجها من أولويات الأجندة الدولية.
وتكتسب هذه المناسبة -هذا العام- أهمية إضافية في ضوء التطورات المتلاحقة في المنطقة، وما يرافقها من تصاعد في الخطاب السياسي والإعلامي الداعم للقضية الفلسطينية، حيث يرى مراقبون أن يوم القدس العالمي تحول إلى منصة تعبير عن موقف سياسي وأخلاقي ومبدئي تلتقي فيه الرؤية الثقافية مع القراءة الاستراتيجية لطبيعة الصراع.
وفي هذا السياق، يؤكد عدد من الباحثين والناشطين اليمنيين أن إحياء يوم القدس العالمي يمثل أداة للحفاظ على الوعي الإيماني والشعبي والسياسي بالقضية الفلسطينية، حيث يستمر حضور القدس كعنوان رئيسي للصراع مع العدو الصهيوني.
وتتنوع هذه القراءات بين البعد السياسي والثقافي والاستراتيجي، بما يقدّم صورة متكاملة عن دلالات هذه المناسبة في اللحظة الراهنة.
في السياق، يؤكد الكاتب والباحث الثقافي الدكتور حمود الأهنومي أن يوم القدس العالمي يمثل محطة سياسية مهمة لتجديد الالتزام بالقضية الفلسطينية، وإبراز مركزيتها في معادلات الصراع الإقليمي.
ويوضح -في حديث خاص لموقع أنصار الله- أن هذه المناسبة تسهم في إعادة توجيه بوصلة الاهتمام الشعبي نحو القدس باعتبارها القضية التي تختبر صدقية المواقف في المنطقة، مشيرًا إلى أن استمرار إحياء هذا اليوم يسهم بشكل فاعل في إفشال محاولات تغييب القضية الفلسطينية أو تهميشها.
ويلفت إلى أن الحضور الشعبي الواسع في فعاليات يوم القدس يبعث برسالة سياسية واضحة مفادها أن القدس ما تزال محور الصراع في المنطقة، وأن الشعوب لم تتخلَّ عن دعمها لحقوق الشعب الفلسطيني رغم تعقيدات الواقع السياسي.

من جانبه، يرى الناشط الثقافي الدكتور يوسف الحاضري أن يوم القدس العالمي يمثل مناسبة لإعادة بناء الوعي الثقافي للأمة تجاه القضية الفلسطينية، مشيرًا إلى أن إحياء هذه المناسبة يسهم في تثبيت القضية في الوجدان الشعبي للأجيال المتعاقبة.
ويؤكد -في حديث خاص لموقع أنصارالله- أن الحفاظ على مركزية القدس في الخطاب الثقافي والإعلامي يعد أحد أهم أدوات مواجهة محاولات طمس الهوية التاريخية للمدينة، موضحًا أن يوم القدس لا يقتصر على كونه فعالية سياسية، بل يتحول إلى محطة للتذكير بالمسؤولية الأخلاقية والدينية تجاه المقدسات الإسلامية، وإلى فرصة لتجديد الارتباط بالقضية الفلسطينية باعتبارها قضية الأمة الجامعة.
وتكمن أهمية يوم القدس العالمي في كونها تتجاوز وصف المناسبة الرمزية، لتغدو أداة لإعادة إنتاج الوعي السياسي والثقافي حول القضية الفلسطينية، فالتنوع في المقاربات، بين السياسي والثقافي والاستراتيجي، يكشف عن إدراك متزايد بأن الصراع مع العدو لا يدار بالسلاح فقط، وإنما بالوعي والرواية والقدرة على إبقاء القضية الفلسطينية حاضرة في وجدان الأمة العربية والإسلامية.

وحول هذه الجزئية، يؤكد عميد كلية التربية بجامعة صنعاء البروفيسور سعد إبراهيم العلوي أن يوم القدس العالمي يعكس البعد الفكري والديني للقضية الفلسطينية، موضحًا أن هذه المناسبة تذكّر الأمة بضرورة الحفاظ على القدس باعتبارها رمزًا دينيًا وحضاريًا يتجاوز حدود الجغرافيا.
وفي حديثه لموقع أنصارالله يشير العلوي إلى أن مركزية القدس في الوعي الإسلامي ظلت حاضرة في الخطاب الفكري والسياسي لعدد من الحركات والتيارات في المنطقة، الأمر الذي أسهم في إبقاء القضية الفلسطينية في دائرة الاهتمام العام.
ويلفت إلى أن إحياء يوم القدس يعزز ارتباط الأجيال الجديدة بالقضية الفلسطينية، ويمنع تراجعها أمام التحولات السياسية المتسارعة.

أما الباحث في العلاقات الدولية الأستاذ علي اللاحجي فيلفت إلى أن يوم القدس العالمي يحمل أيضًا بعدًا إعلاميًا واستراتيجيًا، إذ يمثل منصة لمواجهة "حرب الرواية" التي تدور حول القضية الفلسطينية في الساحة الدولية.
ويؤكد -في حديثه لموقع أنصارالله- أن الكيان الصهيوني يسعى إلى فرض سيطرته على الأرض، كما يعمل على إعادة صياغة الرواية التاريخية للصراع بما يخدم مصالحه السياسية.
ويشير إلى أن إحياء يوم القدس يسهم في الحفاظ على الرواية الفلسطينية حاضرة في الوعي العالمي، كما يبعث برسالة بأن الشعوب ما تزال ترى في الاحتلال كيانًا غاصبًا مهما حاول فرض نفسه كأمر واقع.

في المحصلة، يظهر يوم القدس العالمي بوصفه أكثر من مجرد ذكرى سنوية أو فعالية تضامنية؛ فهو مساحة تتقاطع فيها السياسة مع الثقافة، ويتحول فيها الوعي الشعبي إلى عنصر فاعل في معادلة الصراع مع العدو الصهيوني. فالقضية الفلسطينية -وعلى الرغم من تعقيدات المشهد الدولي والإقليمي- ما تزال تحتفظ بمكانتها الرمزية في وجدان الشعوب العربية والإسلامية، الأمر الذي يمنحها قدرة متجددة على البقاء في دائرة الاهتمام العام.
وتكشف قراءات الباحثين والناشطين عن إدراك متزايد بأن الحفاظ على القضية الفلسطينية لا يعتمد فقط على التحركات السياسية أو العسكرية، وإنما يتطلب أيضًا معركة طويلة الأمد في ميدان الوعي والرواية والتاريخ، فالصراع حول القدس أصبح صراعًا أيديولوجيًا تاريخيًا لا يمكن تجاهله.
ومن هذا المنطلق، يظل إحياء يوم القدس العالمي بمثابة رسالة متجددة بأن القضية الفلسطينية لم تتحول إلى ملف منسي في أرشيف السياسة ، بل ما تزال حاضرة في الضمير الجمعي للشعوب. فالتاريخ يثبت أن القضايا التي تحرسها الذاكرة الشعبية لا تموت، وأن الشعوب التي تحافظ على وعيها بقضاياها الكبرى قادرة على إبقائها حية مهما تبدلت موازين القوة أو تغيرت الظروف السياسية.