في مشهد تاريخي مهيب، جسد أعمق معاني الإيمان والوفاء والانتماء للأمة الإسلامية، تدفقت الحشود اليمنية كالسيول الجارفة المتلاطمة من كل حدب وصوب، لتملأ شوارع العاصمة صنعاء ومختلف المحافظات، متوجهة نحو ميدان السبعين وكل ساحات الصمود والثبات، تحت شعار "ساحاتنا واحدة.. مع فلسطين ضد الطغيان ولن نترك لبنان" في مشهد يليق بشعب الإيمان والحكمة  ويليق برجال حملوا راية الجهاد والاستشهاد في سبيل الله ودفاعا عن قضايا الأمة الإسلامية.

إن الخروج اليمني هو تجسيد حقيقي لاستجابة الشعب اليمني لنداء الواجب، ودعوة الحق التي أطلقها السيد القائد عبدالملك بدرالدين الحوثي، فانطلق اليمنيون من إيمانهم الراسخ بأن النصرة هي فريضة دينية وأخلاقية وإنسانية، تفرضها وحدة الدم والمصير والمقدسات، فالشعب اليمني أدرك مبكرا أن الموقف المتقدم هو جزء أساسي وفاعل في إطار وحدة الساحات ضمن محور الجهاد والمقاومة الذي يقف بكل بسالة وشموخ في مواجهة الطغيان الأمريكي الإسرائيلي، سعياً لأنهائهم من المنطقة.

 صنعاء تحتضن الطوفان

في العاصمة صنعاء، كان الموعد مع طوفان بشري لا توصف هائلته، حيث اكتظ ميدان السبعين وفاضت به كل المربعات والساحات المستحدثة على أروقته، امتلأت الشوارع المؤدية إلى الميدان، وتدفقت الحشود من كل مديريات العاصمة ومن الأمانة وما جاورها، حاملين الأعلام والرايات واللافتات المعبرة عن حالة الاستنفار الشعبي غير المسبوق وبما يؤكد أن يمن الأنصار لا يزال على عهده، وأنه متى ما دعت الحاجة، يكون في طليعة الصفوف.

توشحت الجماهير اليمنية بالأعلام العملاقة، العلم الفلسطيني كان في قلب الحشود، يتوسط الساحة كتأكيد على مركزية القضية الفلسطينية في وجدان الشعب اليمني، وعلى جانبي العلم الفلسطيني، رفرفت أعلام إيران والعراق في تأكيد أن المعركة واحدة، والمصير مشترك، وأن ما تتعرض له طهران وبغداد من تهديدات هو ما تتعرض له صنعاء ولذلك فالعدو واحد والمصير واحد ولا بد أن يكون الموقف واحدا، أما العلم اللبناني، فقد كان متصدراً الحشود والأعلام، بل كان الأكثر ظهوراً وانتشاراً، ليؤكد أحرار اليمن أن لبنان لن يكون بمفرده في مواجهة العدو الصهيوني الغاشم، وأن خلفه ساحات المحور بأكملها، وفي طليعتها الجبهة اليمنية التي باتت تشكل رعباً للأعداء فالجبهة اليمنية التي استطاعت بفضل الله ثم بصمود أبنائها أن تفرض على الأساطيل الأمريكية التقهقر والإنكسار.

ووسط هذا البحر البشري، كان شعار الصرخة في وجه المستكبرين حاضراً بقوة، مرسوماً على قبضات الحشود المليونية، مرتفعاً في الهواء على لافتات عملاقة، مردداً بصوت الملايين في كل هتاف وكل رسالة بأس، لقد استمرت الجماهير اليمنية في السباق إلى الميدان المقدسي الجامع حتى اللحظات الأخيرة للمسيرة، مما جعل عدسات الكاميرا عاجزة تماماً عن استيعاب كامل اللوحة البشرية التي نسجها أحرار اليمن، فكلما ظن المصور أنه أمسك بزاوية الساحة، فوجئ بموجات بشرية جديدة تتوافد وكأن الأرض لا تتسع لأبنائها الذين خرجوا دون استثناء.

هتافات تدوي بالوعيد والجهوزية

مع استمرار التوافد الجماهيري، بدأ زئير أسود اليمن يدوي عالياً  كصاعق يزلزل الأرض ويصل إلى قلوب الأعداء قبل أن يصل إلى آذانهم، كان صوت الملايين يرتفع مع كل هتاف، ويتصاعد مع كل كلمة، حاملاً في طياته عدداً من رسائل الثبات على الموقف، والتصعيد في الإسناد، ورسائل جهوزية مطلقة، ورسائل تحذيرية لكل من يفكر في المساس بلبنان أو فلسطين أو أي جزء من محور المقاومة.

الجبهة اللبنانية المنتصرة كانت في صدارة الاهتمام، أرادت الجماهير اليمنية القول للمجاهدين في لبنان: نحن معكم، نحن نبارك لكم، ونحن مستمرون معكم حتى النهاية"، هتفت الحشود بصوت واحد: "احتشدت يمن الأنصار.. شكراً لله الجبار"، "لبنان انتصرت بالله.. بسلاحك يا حزب الله"،

الأحرار في اليمن جددوا التأكيد على أن هذا النصر يضع اليمن أمام مسؤولية أكبر، ويحتم عليه أن يكون أكثر حضوراً وفعالية في المرحلة القادمة فالنصر في لبنان هو محطة مفصلية تدفع الجميع نحو مزيد من التكاتف والتنسيق والعمل المشترك وهو ما أكدته شعارات المسيرات: "مع لبنان وحزب الله.. سنواجه أعداء الله"، "مع حزب الله الأحرار.. كل المحور والأنصار"، "صفاً صفاً متحدين.. سنحرر كل فلسطين"، "يا غزة يا حزب الله.. معكم ضد أعداء الله"، "يا لبنان يا فلسطين.. معكم كل اليمنيين"، "الجهاد الجهاد.. كل الشعب على استعداد".. وتأكيداً على ما أكده السيد القائد عبدالملك بدرالدين الحوثي في تعزيز وحدة الساحات، هتف ملايين اليمنيين: "وحدنا كل الساحات.. وازددنا عزماً وثبات"، "المحور جبهتنا الكبرى.. لا نفصل ساحة عن أخرى"..

 اليمن كله يخرج – مشاهد التعبئة من صعدة إلى مأرب

لم تقتصر المليونيات على العاصمة صنعاء وحدها، رغم أنها كانت الأكبر والأكثر زخماً، إنما امتدت الحشود الشعبية لتشمل كل محافظات اليمن، من أقصى الشمال في صعدة إلى أقصى الشرق في مأرب، ومن الساحل الغربي في الحديدة إلى المرتفعات الجنوبية في إب وتعز والضالع، كل هذه المحافظات شهدت مسيرات جماهيرية حاشدة، في مشهد يجسد وحدة الصف اليمني، وتوحد الإرادة، وتلاحم القيادة والشعب.

في محافظة صعدة،  خرجت 47 مسيرة جماهيرية حاشدة في مركز المحافظة والمديريات، أكد المشاركون فيها أن الشعب اليمني لن يتخلى عن أي جبهة من جبهات محور الجهاد والمقاومة، ولن يترك فلسطين ولا لبنان، وجددوا تفويضهم للسيد القائد في اتخاذ أي خيارات لمساندة الشعب الفلسطيني ولبنان، والتصدي للطواغيت والمستكبرين. وبارك أبناء صعدة لمجاهدي المقاومة في لبنان الانتصار التاريخي على العدو الإسرائيلي والأمريكي، وثباتهم العظيم وعملياتهم المنكلة والمؤثرة، مؤكدين أن الشعب اليمني لن يتخلى عن المقاومة في لبنان أو فلسطين، وهو جاهز للإسناد في أي وقت.

في محافظة الحديدة، شهدت 317 ساحة بمركز ومديريات المحافظة مسيرات جماهيرية حاشدة، تأكيداً على ثبات الموقف اليمني ووحدة المصير في مواجهة العدو الصهيوني، وعبرت حشود الحديدة عن الاعتزاز والفخر بالمواقف المشرفة والشجاعة للقيادة الثورية والقوات المسلحة في نصرة المستضعفين، وحذرت من سياسة الخداع والمراوغة التي تنتهجها الإدارة الأمريكية، مشيرة إلى أن تقديم واشنطن لنفسها كوسيط يهدف لمنح الكيان الصهيوني الوقت والغطاء السياسي لارتكاب مزيد من الجرائم، معتبرين أن الزخم الجماهيري في مختلف الساحات يمثل تجسيداً حقيقياً للارتباط الإيماني الوثيق والمسؤولية الدينية تجاه قضايا الأمة الكبرى.

في محافظة حجة، شهدت مسيرات جماهيرية حاشدة تأكيداً على وحدة ساحات محور المقاومة، ومواصلة التعبئة والتحشيد ورفع الجاهزية والاستعداد لكل الاحتمالات، وجددوا التفويض المطلق لقائد الثورة في اتخاذ ما يراه من خيارات مناسبة دعماً وإسناداً للشعب الفلسطيني ولبنان الشقيق ومقاومته الباسلة.

في محافظة ريمة، شهدت 93 مسيرة جماهيرية تأكيداً على ثبات الموقف مع لبنان وحزب الله وغزة والجهوزية لكل الخيارات. جدد المشاركون التأكيد على مواصلة الصمود والتمسك بقضايا الأمة، رددوا هتافات غاضبة منددة بالعدوان الأمريكي الصهيوني على لبنان وغزة، وأكدوا الاستمرار في مقاطعة البضائع والمنتجات الأمريكية والإسرائيلية كسلاح وموقف مبدئي وديني.

في محافظة إب، شهدت ساحة الرسول الأعظم ومختلف المديريات مسيرات جماهيرية كبرى جسدت وحدة الموقف الرسمي والشعبي تجاه القضايا العربية والإسلامية. أوضح أبناء إب أن الزخم الشعبي يحمل رسائل واضحة بأن الموقف اليمني ثابت لا يتغير، وأن الاحتشاد يمثل تجديداً للعهد تجاه قضايا الأمة. اعتبروا نصرة فلسطين ولبنان واجباً دينياً وأخلاقياً، وأكدوا أن وحدة الساحات تمثل عنصر قوة حقيقي في مواجهة التحديات.

في محافظة تعز، شهدت حشوداً كبرى في 102 ساحة بمديريات المحافظة، نصرة للبنان وحزب الله، وتأكيداً على ثبات الموقف الإيماني، والجهوزية العالية لأي تطورات. أشاد أبناء تعز بالدور المحوري والفاعل الذي يضطلع به محور المقاومة، وفي طليعته حزب الله الذي أثبت بالبرهان القاطع قدرته على دك أوكار العدو الإسرائيلي الغاصب. أشاروا إلى أن الفاعلية العسكرية النوعية لحزب الله تجاوزت حدود الردع التقليدي، لتؤكد أن المقاومة هي الخيار الاستراتيجي الوحيد لتحرير الأرض وصون الكرامة.

في محافظة مأرب، شهدت 19 مسيرة حاشدة وعشرات الوقفات، استجابة لدعوة السيد القائد ونصرة لفلسطين ولبنان وإيران. باركت حشود مأرب البطولات المذهلة والثبات العظيم لمجاهدي حزب الله. استنكر المشاركون استمرار مجازر العدو الصهيوني في فلسطين ولبنان، وأعلنوا جهوزيتهم العالية لمواجهة مخططات الأعداء.

في محافظات أخرى مثل عمران (أكثر من 144 مسيرة)، والجوف، والبيضاء، والمحويت، وذمار، والضالع، خرجت مسيرات مماثلة، كلها حملت الرسالة ذاتها: اليمن ثابت على موقفه، اليمن مستعد لكل الاحتمالات، اليمن لن يتخلى عن فلسطين ولبنان ومحور المقاومة.

بيان المسيرات

في ختام هذه المسيرات المليونية، صدر بيان تاريخي تلاه عضو المكتب السياسي لأنصار الله ضيف الله الشامي، حمل في طياته الرؤية اليمنية للمرحلة القادمة، والموقف الثابت من القضايا الكبرى، والتأكيد على الاستعداد والجهوزية. جاء في البيان أن الشعب اليمني خرج في هذه المسيرات "انطلاقاً من الإيمان الراسخ بالله سبحانه وتعالى وتوكلاً عليه، واستشعاراً للمسؤولية الدينية والإنسانية والأخلاقية، جهاداً في سبيل الله وابتغاءً لمرضاته، وتأكيداً على مواقفه الثابتة في مواجهة مخطط العدو الصهيوني المسمى بـ "إسرائيل الكبرى"، ومناصرةً لقضايا الأمة ومقدساتها وفي مقدمتها القضية الفلسطينية والمسجد الأقصى المبارك، ونصرة للأشقاء في لبنان وأبطال حزب الله المجاهدين، واستعداداً لكل التطورات المحتملة في مواجهة الأعداء".

أكد البيان أن الشعب اليمني سيبقى أعداءً واضحي العداء لمن أمرنا الله بمعاداتهم، والذين يتمثلون في زمننا بأئمة الكفر الصهيونية العالمية بذراعيها الأخطر والأقذر أمريكا و"إسرائيل". جدد البيان الرفض القاطع لمشروع "تغيير الشرق الأوسط" ومخطط "إسرائيل الكبرى"، وأكد الالتزام بمعادلة وحدة الساحات.

بارك البيان بكل اعتزاز وافتخار البطولات المذهلة والثبات العظيم الذي مَنَّ الله به على رجاله وعباده المخلصين أبطال حزب الله في جبهة جنوب لبنان عموماً وفي بنت جبيل خصوصاً، والتي كسرت شوكة العدو الإسرائيلي، وأثبتت أكثر بأنه أوهن من بيت العنكبوت. وجدد البيان التأكيد على أن الشعب اليمني على أتم الاستعداد خلف قيادته القرآنية لكل الخيارات والتطورات، وأن لبنان وحزب الله وفلسطين ومجاهديها لن يكونوا وحدهم لا اليوم ولا في أي يوم.

في ختام البيان، دعا الشعب اليمني شعوب الأمة إلى رفع حالة الوعي الإيماني القرآني، ومقاومة هجمات الأعداء التي تستهدف وعينا، وتحاول السيطرة علينا كمدخل لاستكمال السيطرة على بلداننا ومنطقتنا ومستقبلنا، مؤكداً أن الأمة لو عادت إلى كتاب الله لما دفعت كل هذه الأثمان، ولما وصل بها الحال إلى ما وصلت إليه.

اليمن حاضر في معركة الأمة الكبرى

خرج الشعب اليمني بكامل ثقله الشعبي،  ليقول للعالم إن الموقف اليمني ثابت لا يتزعزع، وإن الجهوزية كاملة لكل التطورات، وإن الجبهة اليمنية جزء لا ينفصل من محور الجهاد والمقاومة. هذا الخروج المليوني كان إعلاناً رسمياً وشعبياً بالاستعداد للمرحلة القادمة، وتجديداً للعهد لفلسطين ولبنان وإيران وكل جبهات الحق بأن اليمن سيبقى السند والمدد والعون، وأن راية الجهاد لن تسقط، وأن النصر قادم بإذن الله، مهما بلغت قوة الطغيان ومهما تكالبت قوى الشر والاستكبار.

اليمن كما قال قائده: حاضر في الميدان، حاضر في الإسناد، حاضر في كل ساحة من ساحات المواجهة، ولن يترك إخوانه أبداً.