موقع أنصار الله - محمد ناصر حتروش
تخوض المنطقة اليوم غمار ملحمة سيادية كبرى، يتواجه فيها مشروع التحرر الذي يقوده محور المقاومة، مع غطرسة الهيمنة الأمريكية والصهيونية، في صراع شامل يتجاوز حدود الجغرافيا العسكرية ليدق حصون الاقتصاد العالمي، ومع تعثر مفاوضات باكستان -نتيجة التعنت الأمريكي- ظهرت معادلة "الحصار بالمثل" كصاعق تفجير يكشف هشاشة "الردع" الاستعماري أمام ثبات محور الجهاد والمقاومة.
ووفق المعطيات الراهنة في المنطقة، فإن الأحداث الأخيرة أسهمت بشكل ملحوظ في ضرب أسس الهيمنة الأمريكية؛ حيث تنجح طهران وحلفاؤها في فرض "وحدة الساحات" كقدَر لا يمكن تجاوزه، محولين الحصار من أداة خنق إلى سلاح استراتيجي يضع واشنطن والكيان في مأزق وجودي، وبينما يغرق الداخل الأمريكي في أزمات التضخم ونقمة الشارع، يثبت المقاومون أن زمن العربدة دون رد قد ولى إلى غير رجعة، وأن مفاتيح التجارة العالمية باتت بيد من يمتلكون الحق في الدفاع عن شعوبهم، وسط فشل صهيوني ذريع في الميدان اللبناني وعجز أمريكي عن حماية حلفائه اللاهثين خلف سراب الوعود الأمريكية.
في السياق، يؤكد عضو المكتب السياسي لأنصار الله، محمد الفرح، أن الإدارة الأمريكية تغامر بمصالح مواطنيها وتضحي بأدواتها في المنطقة لتأمين مصالح الكيان الصهيوني، محاولةً منحه وقتاً مستقطعاً لترميم فشله في لبنان.
وفي حديثه لموقع "أنصار الله" يرى الفرح أن واشنطن هي من تعرقل اتفاق باكستان بإصرارها على فصل الجبهات، بينما تفرض المقاومة شمولية الحل من غزة إلى بيروت.
وأوضح الفرح أن مخاوف ترامب من "دولار النفط" ونقمة الشارع الأمريكي على التضخم، تجعله عاجزاً عن تحمل حرب استنزاف طويلة أو إغلاق دائم لمضيق هرمز، ما يضع الحزب الجمهوري أمام خيارات أحلاها مرّ نتيجة الرهان الخاسر على المجرم نتنياهو.
ويشير إلى أن المقاومة نجحت في تحويل الاقتصاد الأمريكي إلى "رهينة" لسياسات واشنطن الحمقاء، حيث وجد البيت الأبيض نفسه محاصراً بين نار الفشل العسكري في "بنت جبيل" ونار الانهيار الاقتصادي في "وال ستريت".

من جانبه، يشدد السياسي اللبناني الخبير في الشأن الإيراني، جواد سلهب، على أن الجمهورية الإسلامية، ومنذ فجر الثورة، حولت مؤامرات الحصار إلى فرصة تاريخية لمراكمة القوة وبناء اقتصاد مقاوم لا يرتهن للمشيئة الأمريكية.
وفي حديثه لموقع "أنصار الله" يؤكد سلهب أن طهران اليوم تحاصر محاصريها عبر شبكة تحالفات برية وجيوسياسية عابرة للحدود، تجعل من التهديدات البحرية الأمريكية مجرد "ضجيج" بلا أثر.
ويلفت سلهب إلى أن الوقفة الشجاعة لمحور المقاومة أجبرت حلفاء واشنطن، وحتى الدول الأوروبية، على النأي بنفسها عن الحماقات الأمريكية، ما أدى إلى عزلة غير مسبوقة للولايات المتحدة أمام إرادة الشعوب الأبية التي تأبى الخضوع والتبعية، وبموجب الصمود الأسطوري، يثبت محور المقاومة بأنه القوة الوحيدة القادرة على قول "لا" في وجه الاستكبار، محققاً انتصارات ميدانية وسياسية تجبر العدو على الرضوخ لإرادة الشعوب المتمسكة بسيادتها وكرامتها.

وفي تشخيص لعمق الأزمة، يصف الباحث السياسي المصري، إيهاب شوقي، المحاولة الأمريكية لفرض "حصار على الحصار" بأنها مجرد مناورة يائسة لتحسين شروط التفاوض بعد فقدان واشنطن لأوراق قوتها.
ويوضح -في حديثه لموقع "أنصار الله"- أن أمريكا تحاول استغلال الهدنة لفك الارتباط الاستراتيجي بين إيران ولبنان، لكنها تصطدم بحقيقة "وحدة الساحات" الصلبة.
وأكد شوقي أن القوى العالمية تقف عاجزة عن أي فعل خشن، لإدراكها أن أي مقامرة عسكرية لفتح المضيق ستواجه بقدرة مقاومة كاسحة على إغلاقه كلياً وتلغيمه، ما يجعل الانتظار المرّ هو الخيار الوحيد المتاح أمام المستكبرين، ويعد العجز الغربي مؤشراً عملياً على تحول موازين القوى؛ إذ لم تعد الممرات المائية ملكاً لمشيئة الأساطيل الأمريكية، وإنما باتت تحت سيطرة أهل الحق القادرين على تحويل أي اعتداء إلى كارثة كونية تصيب عصب النظام الرأسمالي العالمي.

بدوره، يشير الباحث العراقي، جليل هاشم البكاء، إلى أن التصعيد الأمريكي الحالي هو محاولة بائسة لترميم "الهيبة الممزقة" بعد أن تمرغ أنف القوة الغاشمة في وحل الهزائم المتتالية.
وفي حديثه لموقع "أنصار الله" يرى "البكاء" أن المقاومة تتعامل مع هذا الضجيج بهدوء الواثق وضمن معادلة "النفس الطويل"، مراهنةً على تآكل قدرة الخصم وحتمية انكساره.
وأكد البكاء أن الصمود والمناورة الحكيمة سيجبران قوى العدوان على التراجع؛ حيث يثبت التاريخ أن من يمتلك القدرة على التحمل ويفهم حدود عجز خصمه هو من يفرض شروطه في نهاية المطاف دون الحاجة لإطلاق رصاصة واحدة.
.jpg)
تؤكد معطيات الواقع أن المنطقة تشهد الفصل الأخير من فصول الغطرسة الأمريكية الصهيونية، حيث تهاوت أساطير "الجيش الذي لا يقهر"، والسطوة التي لا تُرد، أمام ضربات وحكمة محور المقاومة، ويعد الحصار المتبادل اليوم شهادة وفاة للنظام العالمي الأحادي، وإعلاناً لميلاد فجر جديد تكون فيه السيادة للشعوب لا للأساطيل.
فقد أثبت المحور بصلابته أن "وحدة الساحات" قدر محتوم يربط مصير القدس بسلامة بيروت وأمن طهران وعزة صنعاء، مشكلاً جداراً منيعاً يحطم كل مؤامرات فصل الجبهات، ويبقى المخرج الوحيد لواشنطن والكيان هو الاعتراف بالهزيمة والرضوخ لإرادة المقاومة؛ فزمن الإملاءات قد ولّى، ومن يراهن على كسر إرادة الشعوب إنما يراهن على سراب.
ليبقي الانتصار حليف من استمسك بحبل الصمود والحكمة، وسيذكر التاريخ أن ثبات محور المقاومة هو الذي حمى المنطقة من السقوط في براثن المشروع الصهيوني، محولاً التهديد إلى نصر مؤزر يؤسس لمستقبل خالٍ من التبعية والاستكبار.