موقع أنصار الله | محمد ناصر حتروش:

بعد أكثر من عقد على الاحتلال السعودي الإماراتي للمحافظات الجنوبية وأجزاء من المحافظات الشمالية، تتفاقم الأزمات المعيشية وتتسع رقعة الاحتجاجات الشعبية في تلك المحافظات في ظل انهيار الخدمات الأساسية وتراجع قيمة العملة وارتفاع الأسعار، رغم ما تزخر به تلك المحافظات من ثروات وموارد كبيرة.

وفي هذا الحوار، يسلّط نائب وزير الإدارة المحلية بحكومة التغيير والبناء وأحد القيادات الجنوبية الشيخ ناصر المحضار الضوءَ على أسباب هذا الواقع، ويقدّم رؤيته لطبيعة الدور الذي لعبه الاحتلال في إدارة المحافظات المحتلة، كما يتحدث عن الاحتجاجات الشعبية والحلول المطلوبة للخروج من الأزمة الراهنة.

س1: بعد أكثر من عشر سنوات على الاحتلال السعودي الإماراتي للمحافظات الجنوبية، كيف تقيّمون واقع المواطنين اليوم في ظل استمرار تدهور الخدمات الأساسية، وانهيار العملة، وارتفاع الأسعار، وتفاقم أزمة الكهرباء؟ وهل ترون أن ما تحقق على أرض الواقع يتوافق مع الوعود التي أُطلقت في بداية التدخل بشأن تحسين الأوضاع المعيشية وتحقيق الاستقرار والتنمية؟

إن الواقع المرير الذي يعيشه أبناء المحافظات المحتلة اليوم هو أشبه بظلم مُصنّع وممنهج يُمارس ضدهم، في وضع لا شبيه له إلا "قانون الغاب". لقد أراد العدوان -منذ البداية- إخضاع هذه المناطق للاحتلال، وعمل على تلفيق الأوهام والوعود الكاذبة بالتنمية والرخاء، مستعيناً بفريق من الخونة والعملاء الذين يتواجدون اليوم كمشرفين ومسؤولين، حاربوا الثقافة الدينية والهوية الوطنية والمرجعيات الصادقة، واستبدلوا بها الفكر الوهابي الدخيل. أما تلك الوعود البراقة فلم يتحقق منها شيء، بل كانت مجرد أكاذيب، وما يُسمى بمشاريع التنمية ذهبت لخدمة جهات وطبقات معينة وموالية للاحتلال، بينما لم يصل للمواطن المستحق سوى الأزمات الطاحنة، فالرهان على المرتزق العميل رهان خاسر، لأنه لا يقدم إلا ما يجلب الشر والدمار والاحتلال لبلده.

س2: المحافظات المحتلة تضم موانئ مهمة وثروات نفطية وغازية وموارد اقتصادية كبيرة، ومع ذلك يشكو المواطن من الفقر وتدهور الخدمات وانهيار العملة. برأيكم أين تكمن المشكلة الأساسية؟ ومن يتحمل المسؤولية عن هذا الواقع؟

المشكلة الأساسية تكمن في جوهر سياسة الاحتلال؛ فالعدوان -منذ أول يوم وطِأت فيه أقدامه المحافظات الجنوبية لليمن الموحد- كان هدفه الرئيس السيطرة على الثروات السيادية، حيث سارع إلى بناء وتأسيس قواعد عسكرية في منشآت النفط وحول الموانئ الحيوية، بل وحظر على المكونات اليمنية دخول هذه الأماكن، ما حرم الشعب من الاستفادة من موارده وثرواته التي تُنهب جهاراً نهاراً.

أما عن المسؤولية فإن قوى العدوان تتحملها بالكامل، ومعها ما يُسمى بـ"السلطة المحلية" هناك، والتي تحولت إلى مجرد أداة مطيعة وخادمة للضباط الإماراتيين والسعوديين. وعلى سبيل المثال، نتذكر جميعاً كيف كان المسؤول والقيادي المرتزق التابع للاحتلال في بداية العدوان يزحف إلى المنفذ السعودي ليستقبل عميداً أو ضابطاً سعودياً، وفي منتصف العدوان أصبح المسؤول المرتزق منبوذاً من قبل تحالف العدوان، وإذا رغب في لقاء معين فإن الاحتلال يرسل له جندياً بسيطاً أو ملازماً من الدرجة الأولى فقط. فهذه التبعية المطلقة أفرزت واقعاً يتحكم فيه المحتل بكل المقدرات، بينما يتجرع المواطن الفقر والجوع.

س3: بعد سنوات من سيطرة تحالف العدوان السعودي الإماراتي على المحافظات الجنوبية، لماذا ما تزال هذه المحافظات تعاني من انهيار الخدمات والاقتصاد رغم امتلاكها موارد نفطية وموانئ وثروات كبيرة؟ وهل تعكس الاحتجاجات الحالية فشل السلطات المحلية أم رفضاً شعبياً لسياسات التحالف الذي يتهمه المحتجون بالوقوف وراء هذا الواقع؟

إن استمرار الانهيار الاقتصادي والخدمي سياسة ممنهجة ومقصودة ومتعمدة، فالاحتلال تعمّد وبشكل مدروس إفقار الشعب وتجويعه ليبقى منشغلاً بلقمة عيشه، وتكون كل خيوط السلطة والقرار بيد المحتل.

أما بخصوص الاحتجاجات الحالية، فهي تعكس -بلا شك- رفضاً شعبياً عارماً لسياسات تحالف العدوان، بعد أن أدرك الشعب في المحافظات المحتلة أن السعودية والإمارات ليستا سوى أدوات بيد أمريكا، وأن حكومة المرتزقة ما هي إلا أداة للأدوات.

لقد ضاق أبناء الجنوب ذرعاً بحرب التجويع الممنهجة التي تُمارس ضدهم لاستغلالهم وكسر إرادتهم، وما نراه اليوم في الشارع هو انفجار شعبي ضد هذا الواقع المفروض بقوة السلاح الحزبي والمناطقي منذ عام 2018 حتى اليوم، والذي لم ينتج سوى التشظي والتخلف والتشويه للواقع الداخلي.

س4: هناك من يقارن بين الوضع في المحافظات الجنوبية المحتلة وبين المناطق التي تديرها سلطة صنعاء، ويشير إلى أن الأخيرة نجحت بدرجة أكبر في الحفاظ على الأمن واستقرار المؤسسات وضبط السوق رغم التحديات الاقتصادية الكبيرة. كيف تنظرون إلى هذه المقارنة؟ وهل هناك تجارب يمكن الاستفادة منها بعيداً عن الخلافات السياسية؟

هذه المقارنة واقعية جداً وتفرض نفسها؛ فبفضل الله سبحانه وتعالى، وبفضل القيادة الحكيمة لقائد الثورة، ودماء الشهداء الأبرار، نحن نعيش في صنعاء والمناطق الحرة في ظل دولة وحكومة حقيقية تمثل الشعب وتدافع عن كرامته، وقدمت تضحيات جسيمة لطرد الاستعمار وصون السيادة.

بالتأكيد هناك تجارب غنية في صنعاء يمكن الاستفادة منها، وعلى رأسها تغليب مصلحة المواطن، والحفاظ على استقرار المؤسسات رغم الحصار الشامل. فمقارنة هذا الاستقرار بالانفلات القائم في المناطق المحتلة يؤكد أن حكومة المرتزقة مستحيل أن تنجح في فرض واقع مستقر أمنياً أو اقتصادياً؛ لأن قرارها مسلوب وليس بيدها، وهي لا تمثل الشعب بأي حال من الأحوال. ولذلك فإن التواصل والترابط مع أبناء المحافظات المحتلة للاستفادة من تجربة صنعاء وبناء مسار وطني موحد هو أمر جوهري.

 

س5: بحكم قربكم من سلطة صنعاء، وفي حال استجاب لكم أبناء المحافظات المحتلة، ما هي الخطوات العاجلة التي تقترحونها لمعالجة أزمات الكهرباء والعملة والمرتبات والأسعار، وإيقاف حالة التدهور الأمني والاقتصادي التي يدفع المواطن في تلك المحافظات ثمنها يومياً؟

الخطوة الأولى والعاجلة لمعالجة هذه الأزمات المركبة وبشكل جذري هي "تمكين الشعب من ثرواته السيادية"، وإبعاد يد المحتل والوصاية الخارجية عنها. لا يمكن تحقيق أي نمو اقتصادي أو استقرار للخدمات كالكهرباء والمياه في ظل وجود قوى تحتل الموانئ والمنشآت النفطية وتجير عوائدها لمصالحها الخاصة أو لصالح فئة من المرتزقة. يجب إلغاء حالة التبعية، وتوحيد الجهود الاقتصادية بعيداً عن الإملاءات الخارجية، والبدء الفوري في تسخير الموارد المحلية لصالح تقديم الخدمات ودفع المرتبات لكافة أبناء الشعب اليمني دون استثناء، وتطهير المؤسسات من الفساد.

س6: في ظل المعاناة المشتركة لكل اليمنيين شمالاً وجنوباً، هل ترون أن الوقت قد حان للانتقال من منطق الصراع والتجاذبات إلى مشروع وطني يركز على الاقتصاد والخدمات ومعيشة المواطن؟ وما شكل هذا المشروع من وجهة نظركم؟

نعم، إن القناعة راسخة وموجودة لدى كل الأطراف الشريفة والحرة شمالاً وجنوباً، بأن "وحدة الصف وتضافر الجهود" هي الأساس المتين لبناء أي مستقبل حقيقي ينتظره الشعب اليمني.

شكل هذا المشروع الوطني يجب أن يتجسد في دولة قوية ومستقلة تحمي السيادة وتوفر العيش الكريم للمواطن، وترتكز على قيم التعايش والتلاحم الموجودة أصلاً بين أبناء كافة المحافظات اليمنية. فالانتقال إلى هذا المربع يتطلب أولاً تصفية البيئة من دنس الاحتلال وأدواته، والالتفاف حول مشروع التحرر والسيادة والعمل الدؤوب، لأن معركتنا الأساسية اليوم هي معيشة المواطن وكرامة الوطن.

 

س7: ما الرسالة التي تودون توجيهها اليوم إلى أبناء المحافظات المحتلة الذين خرجوا إلى الشوارع للمطالبة بحقوقهم الأساسية في الكهرباء والمياه والاستقرار المعيشي؟

رسالتي لأهلنا وإخواننا الأحرار في المحافظات المحتلة، وعلى رأسهم الوجهاء والمشايخ والنخب والمثقفون والشباب الثائر: إننا نشد على أيديكم بحرارة، ونحيي خروجكم الشجاع لمواجهة هذا الظلم، فـ"العيشة بالكرامة" هي خيارنا الأسمى في الدنيا والآخرة. إن إرادة الله وإرادة الشعوب هي الأقوى دائماً، وهي الأهم لبناء اليمن الكبير. وندعوكم من هذا المنطلق إلى رص الصفوف، والتهيؤ الكامل لمواجهة هذا الاحتلال الغاشم وخلعه من على ظهوركم وتطهير أرضكم.

ونؤكد لكم بكل ثقة: إننا -في القيادة- ومعنا كل أبناء الشعب اليمني، لن نتأخر عن نصرتكم، وسنظل عوناً لكم، ونقف معكم يداً بيد وكتفاً بكتف حتى تحقيق النصر المؤزر، وتحرير كل شبر من المحافظات اليمنية المحتلة.