موقع أنصار الله. تقرير | هاشم أبوطالب

منذ اللحظة الأولى التي تصاعدت فيها نبرة الإدارة الأمريكية ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية، كان المشهد يفيض بغطرسة لا تعرف سقفاً ولا تخفي أهدافها، وقف مجرم الحرب دونالد ترامب في أكثر من مناسبة ليطلق العنان لتهديداته، متوعداً بـ"إنهاء الحضارة الإيرانية"، ومهدداً بتدمير كافة منشآت الطاقة والمصانع الحيوية، متجاوزاً في خطابه كل أعراف الدبلوماسية والعلاقات الدولية. وهذه التصريحات كانت ترجمة لاستراتيجية أعلنت واشنطن و"تل أبيب" ملامحها بوضوح: تغيير النظام الإسلامي في طهران، وتنصيب حكومة تدين بالولاء للمشروع الأمريكي الإسرائيلي في المنطقة، وإنهاء البرنامجين النووي والصاروخي الإيرانيين بشكل كامل، وفصل إيران عن حلفائها الاستراتيجيين في لبنان واليمن والعراق، وصولاً إلى الهدف الأعمق وهو السيطرة الدائمة على النفط الإيراني وتحويل إيران إلى دولة تابعة وفق النموذج الذي طالما حلمت به دوائر القرار في واشنطن.

وعلى وقع هذه التهديدات التي لم تتوقف يوماً، جاء العدوان العسكري المباشر، ضربة أولى استهدفت خاصرة الدولة الإيرانية، تمكنت فيها الولايات المتحدة من اغتيال المرشد الأعلى السيد علي الخامنئي وقائد الحرس الثوري ورئيس الأركان وعدد كبير من القادة العسكريين والأمنيين، إلى جانب تدمير واسع طال البنية التحتية المدنية والعسكرية، وسقوط آلاف الشهداء من المواطنين الأبرياء بينهم أطفال ونساء. غير أن هذا المشهد الدموي الذي راهن عليه المعتدي ليكون مقدمة الانهيار، تحول إلى وقود لصمود أسطوري أربك كل حسابات البنتاغون وأجهزة المخابرات الغربية.

خريطة الحرب: أربعة مستويات من العدوان الشامل

لفهم حجم التحول الذي انتهت إليه المواجهة، لا بد من تفكيك طبيعة الحرب التي شنتها الولايات المتحدة ضد إيران، فلم تكن حرباً تقليدية ذات بعد واحد، وإنما منظومة عدوان متكاملة استندت إلى أربعة مستويات متزامنة ومتداخلة:

المستوى الأول: القوة العسكرية المباشرة.. حاولت القوات الأمريكية وحلفاؤها الغزو البري أكثر من مرة، متوهمة أن الضربات الجوية التمهيدية قد فتكت بالقدرات الدفاعية الإيرانية، لكن المفاجأة كانت في الجهوزية الإيرانية العالية التي أفشلت كل محاولات التقدم على الأرض. في الجو، شنت واشنطن مئات الغارات التي استهدفت المنشآت العامة والخاصة والمواقع العسكرية والاقتصادية، محاولة شل قدرة الدولة على الصمود، وفي أخطر الفصول، نفذت عمليات خاصة جريئة كان أبرزها محاولة الإنزال للاستحواذ على اليورانيوم الإيراني المخصب، وهي العملية التي انتهت بفشل ذريع كشفت إيران تفاصيله الدقيقة، وأذاقت خلالها القوات المهاجمة هزيمة نكراء تحولت إلى مادة إعلامية فضحت عجز "القوة العظمى". وفرضت واشنطن في البحر حصاراً شاملاً على الموانئ الإيرانية في محاولة لخنق الاقتصاد وإجبار طهران على الركوع.

المستوى الثاني: التسليح والتدريب للمعارضة الداخلية..  راهنت الإدارة الأمريكية على إشعال حرب داخلية عبر تسليح وتدريب جماعات معارضة للنظام الإسلامي، وقد اعترف ترامب نفسه بأنه أرسل أسلحة إلى المعارضة الإيرانية خلال المظاهرات التي اندلعت في بعض المدن، لكن المفاجأة كانت أن الأكراد الذين راهن عليهم لم يسلموه السلاح، بل رفضوا أن يكونوا أداة في المشروع الأمريكي التقسيمي، ما كشف تخبط الاستراتيجية الأمريكية وعجزها عن فهم التركيبة الاجتماعية والسياسية الإيرانية المعقدة.

المستوى الثالث: القوة الاقتصادية الخانقة..  استخدمت الولايات المتحدة ثقلها المهيمن على النظام المالي العالمي لفرض عقوبات قصوى غير مسبوقة، متجاوزة كل العقوبات السابقة من حيث الشدة والشمول، وجرى تجميد الأصول الإيرانية في الخارج، والضغط على المؤسسات المالية الدولية لقطع أي تعاملات مع طهران، والتحكم بمسارات التجارة والنفط والتحويلات المالية، في محاولة لخلق انهيار اقتصادي يدفع الشارع الإيراني إلى الانقلاب على النظام.

المستوى الرابع: القوة الناعمة والحرب الإعلامية.. حركت واشنطن ترسانتها الإعلامية الهائلة لتشويه صورة إيران والصمود الإيراني، وضغطت على وسائل الإعلام الدولية لتبني الرواية الأمريكية، وقد وصل الهوس الإعلامي إلى حد تهديد ترامب بإغلاق وسائل إعلام أمريكية كبرى تجرأت على نقل الرواية الإيرانية أو التشكيك في جدوى الحرب. كانت آلة الدعاية تعمل بطاقتها القصوى لترويج صورة الانتصار الوشيك، غافلة عن أن الحقيقة على الأرض تكتب فصولاً مختلفة تماماً.

رحلة العار إلى طاولة المفاوضات

وسط هذا المشهد المتعدد الأبعاد، ظنت واشنطن أن إيران ستنهار تحت وطأة الضربات المتزامنة، لكن الذي حدث كان العكس تماماً، فإيران -التي تلقت الضربة الأولى الموجعة- استعادت توازنها بسرعة مذهلة، وأثبتت أنها قادرة على الردع الموجع وعلى استهداف أي مطار تقلع منه مقاتلات العدو كما صرح رئيس الوفد الإيراني محمد باقر قاليباف، فالصواريخ الإيرانية التي أرادت أمريكا تدميرها كانت تصل إلى أهدافها بدقة، والحصار البحري الذي فرضته واشنطن قوبل بتهديد مضاد لمضيق هرمز، والمحاولات البرية تكسرت على صخرة المقاتلين الإيرانيين.

هنا بدأت رحلة الإذعان الأمريكي، الرئيس الذي كان يتحدث عن "إنهاء الحضارة الإيرانية" وجد نفسه يطرق أبواب الوسطاء طالباً وقف إطلاق النار. يقول قاليباف: "كان العدو هو من يسعى وراء وقف إطلاق النار ونحن لم نكن نقبل به في البداية، وخلال أربع وعشرين ساعة محمومة عقدت ثلاث جولات من المفاوضات حول النص وثلاث جولات أخرى من المفاوضات الثلاثية بحضور الوسيط، في مشهد يعكس حالة الذعر والإلحاح الأمريكي لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من الكارثة.

تشريح بنود الاستسلام: أربعة عشر بنداً تقلب موازين القوة

جاءت مذكرة التفاهم الموقعة بين الطرفين في أربعة عشر بنداً، تحمل كل كلمة فيها اعترافاً ضمنياً أو صريحاً بحجم الهزيمة الاستراتيجية التي منيت بها الولايات المتحدة. لنقرأ البنود بتدقيق، وندرك كيف تحولت الأهداف الأمريكية إلى أحلام تبخرت تحت شمس الصمود الإيراني:

البند الأول : يعلن وقفاً فورياً ودائماً للعمليات العسكرية على جميع الجبهات "بما في ذلك لبنان"، مع التعهد بعدم شن أي حرب أو عمليات عسكرية ضد بعضهما البعض، والامتناع عن التهديد باستخدام القوة، وضمان وحدة أراضي لبنان وسيادته، وقد تكرر اسم لبنان ثلاث مرات في هذا البند الافتتاحي، في إشارة بالغة الدلالة إلى أن إيران لم تفرض فقط حماية أراضيها، بل مدت مظلة الأمان لتشمل حليفها اللبناني، مسجلة بذلك انتصاراً استراتيجياً لم تكن أمريكا ولا "إسرائيل" تتوقع حدوثه قبل العدوان.

البند الثاني : يتعهد الطرفان باحترام سيادة كل منهما ووحدة أراضي الآخر، والامتناع عن التدخل في الشؤون الداخلية، وهنا دُفن رسمياً حلم تغيير النظام الإسلامي  بعد حرب ضروس شُنت لهذا الغرض. توقع واشنطن وثيقة تعترف فيها بسيادة النظام نفسه الذي أرادت إسقاطه، وتتعهد بعدم التدخل في شؤونه الداخلية. وهنا أغلقت إيران معادلة الاستباحة التي طالما سعى العدو لتعزيزها ليتمكن من القضاء على خصومه متى شاء وأينما يشاء.

البند الثالث: الالتزام بالتفاوض والتوصل إلى اتفاق نهائي خلال ستين يوماً قابلة للتمديد بالتراضي. وإيران هنا هي من تضبط الإيقاع، وهي من تقبل بالتمديد أو ترفضه، بعد أن كانت واشنطن هي من تفرض الجداول الزمنية والشروط المسبقة.

البند الرابع: تبدأ الولايات المتحدة فوراً برفع الحصار البحري المفروض على إيران وإنهائه بالكامل خلال ثلاثين يوماً، وتتعهد بسحب قواتها العسكرية من المنطقة المحيطة بإيران خلال ثلاثين يوماً من الاتفاق النهائي. لقد تحقق هذا البند بسرعة مذهلة؛ فقد أكد قاليباف أن ترامب قام برفع الحصار في غضون ليلة واحدة، في حين كان من المقرر أن يتم ذلك خلال ثلاثين يوماً، وما كان يمثل قلقاً وجودياً لإيران صار مجرد ذكرى، بينما أُلزمت القوات الأمريكية بحزم حقائبها والرحيل.

البند الخامس: تتخذ إيران الترتيبات اللازمة لتوفير ممر آمن للسفن التجارية من الخليج العربي إلى بحر عمان وبالعكس، على أن يتم تنظيم حركة السفن بالتنسيق مع سلطنة عمان والدول المطلة على الخليج. وهذا البند ليس مجرد ترتيب ملاحي؛ إنه اعتراف بأن إيران هي صاحبة الكلمة الفصل في مضيق هرمز، فلم تعد الملاحة فيه خاضعة للإرادة الأمريكية أو للقانون الدولي بالصورة التي كانت سائدة، بل أصبحت مشروطة بالسيادة الإيرانية وبالتنسيق معها، وهو ما سيكلف الدول المستفيدة رسوماً مقابل الخدمات كما أكد المسؤولون الإيرانيون بوضوح. وهذه إحدى الأوراق  الاستراتيجية التي كسبتها إيران من الحرب، فما قبل العدوان لم تكن أمريكا ولا العدو الإسرائيلي يتخيل يوما أن يحدث مثل هذا التحول.

البند السادس:  تلتزم الولايات المتحدة -بالتعاون مع شركائها الإقليميين- بوضع برنامج لإعادة الإعمار والتنمية الاقتصادية في إيران بقيمة لا تقل عن ثلاثمائة مليار دولار. وهذا البند لم يخطر على بال منتصر في التاريخ الحديث، فالدولة التي شنت الحرب ودمرت البنية التحتية تُلزم بدفع ضريبة هزيمتها وتعويض ما أتلفته. إنها ثلاثة أضعاف ميزانيات دول بأكملها، تدفعها واشنطن وحلفاؤها جزاء عدوانهم الفاشل، فبدلا من جني الأموال الإيرانية تلتزم واشنطن بدفع الأموال لإيران مرغمة.

البند السابع: تلتزم الولايات المتحدة بإنهاء جميع العقوبات المفروضة على إيران، بما فيها العقوبات المرتبطة بالأمم المتحدة والوكالة الدولية للطاقة الذرية والعقوبات الأمريكية الأحادية، وفق جدول زمني يتم الاتفاق عليه. وهنا تحطم الحلم الأمريكي بإبقاء العقوبات كسيف مسلط على رقبة الاقتصاد الإيراني، وكل العقوبات -دون استثناء- إلى زوال، وفق ما تقبله طهران وتوافق عليه، لا وفق ما تُمليه واشنطن. وهنا يمكن القول إن إيران -وبدلا من تدمير حضارتها كما قال ترامب. باتت مقبلة على تنمية اقتصادية تجعلها في مصاف الدول المتقدمة.

البند الثامن: تؤكد إيران أنها لن تنتج أو تحوز أسلحة نووية، ويتفق الطرفان على معالجة وضع المواد المخصبة المخزنة ضمن آلية متفق عليها وتحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وأن يتم ذلك داخل إيران. وهنا نلاحظ الفرق: إيران هي التي تؤكد، والمواد المخصبة ستعالج بآلية متفق عليها، وليس بآلية تُفرض، وعندما حاولت بعض الأطراف اقتراح نقل المواد المخصبة إلى خارج البلاد، ردت طهران بحسم أن هذا الخيار غير مقبول، وتم شطبه من النقاش. ونص هذا البند في الأساس كانت إيران تطرحه قبل الحرب، وأكدت مرارا وتكرارا أنها لا تسعى لامتلاك سلاح نووي.

البند التاسع: يحافظ الطرفان على الوضع الراهن إلى حين التوصل إلى اتفاق نهائي، بحيث لا تفرض واشنطن عقوبات جديدة ولا تنشر قوات عسكرية إضافية في المنطقة، فالقوة التي كانت تهدد بتدمير إيران صارت ممنوعة من تعزيز وجودها العسكري أو فرض عقوبات جديدة، بينما إيران تواصل حياتها وبرامجها دون أي قيود إضافية.

البند العاشر: تتعهد الولايات المتحدة بإصدار سندات من وزارة الخزانة لتمويل تصدير النفط الإيراني والمنتجات البتروكيماوية والخدمات المرتبطة بها إلى حين رفع العقوبات. وهذا هو قمة الانقلاب في المواقف: الخزانة الأمريكية التي جففت مصادر التمويل الإيراني طيلة سنوات تُلزم الآن بتمويل الصادرات الإيرانية. إنه اعتراف بأن اقتصاد إيران لن ينهار، بل ستنهض به واشنطن نفسها عبر سنداتها المضمونة.

البند الحادي عشر:  تتعهد الولايات المتحدة بإتاحة أموال وأصول إيران المقيدة أو المجمدة عند تنفيذ المذكرة، وفق آلية يتم الاتفاق عليها. وقد شدد قاليباف على أن هذه الأموال يجب أن توضع في حسابات إيران وتحت تصرف البنك المركزي الإيراني دون أي قيود، بعد أن كانت أمريكا تصر على حصر استخدامها في الأغراض الإنسانية فقط. لقد سقطت كل الشروط، وعادت الأموال لصاحبها.

البند الثاني عشر: إنشاء آلية تنفيذية لمراقبة تنفيذ مذكرة التفاهم والالتزام بالاتفاق النهائي. في إقرار بأن واشنطن لا تؤتمن على التزاماتها، وتحتاج إلى من يراقبها ويضبط إيقاعها.

البند الثالث عشر: بعد بدء تنفيذ بنود وقف الحرب ورفع الحصار والإجراءات المالية، تبدأ مفاوضات الاتفاق النهائي حول البنود المتبقية. وهنا تتجلى عبقرية المفاوض الإيراني: أن تبدأ مفاوضات الحل النهائي -فقط- بعد أن تكون قد حصلت على وقف الحرب ورفع الحصار وضمان الإجراءات المالية. إنه تحرُّكٌ على رقعة الشطرنج يجرد الخصم من أوراق ضغطه قبل أن يبدأ اللعب.

البند الرابع عشر: يُعتمد الاتفاق النهائي بقرار ملزِم من مجلس الأمن الدولي. أي أن ما ستفرضه إيران على طاولة المفاوضات لن يكون مجرد تعهد أمريكي قابل للنقض، بل التزاماً دولياً يراقبه العالم وتكون لإيران فيه اليد العليا.

أوراق النصر الاستراتيجية الثلاث

إذا كانت البنود الأربعة عشر تشكل في مجموعها إعلان هزيمة أمريكية، فإن هناك ثلاثة مكاسب استراتيجية كبرى خرجت بها إيران من هذه الحرب، لم تكن لتحلم بها في أكثر سيناريوهات التفاؤل جموحاً قبل اندلاع المواجهة:

الورقة الأولى: السيطرة على مضيق هرمز.. لعل هذا هو المكسب الأكثر إبهاراً والأبعد أثراً في الاستراتيجية العالمية. قبل الحرب، كان مضيق هرمز ممراً مائياً دولياً تديره أعراف الملاحة الدولية وتحميه القطع البحرية الأمريكية، أما اليوم، فقد تغيرت المعادلة بشكل جذري، وكما قال رئيس الوفد الإيراني بوضوح: "الممر لن يعود إلى ظروف ما قبل الحرب أبداً". وأكد أن إيران تمتلك حقاً سيادياً في المضيق، وستتقاضى رسوماً مقابل الخدمات بالتنسيق مع الدول المشاطئة وفي مقدمتها سلطنة عمان.

ما حدث هو أن الولايات المتحدة، التي أشعلت الحرب لإنهاء النظام الإيراني وفرض هيمنتها على الخليج، وجدت نفسها أمام مشهد معكوس، فإيران هي من تمسك بمفاتيح المضيق، وتفرض قواعد جديدة للملاحة، وتتقاضى أثماناً لقاء الأمن الذي توفره. وهنا وقف وزير الدفاع الأمريكي بعد التوقيع ليصرح بأن مضيق هرمز ممر دولي حيوي لكن الولايات المتحدة لا تعتمد عليه، وأنه يأمل أن تتحرك الدول المستفيدة لفتح المضيق. وهو تصريح يفيض بالعجز والاستسلام؛ فالوزير يعترف ضمناً بأن بلاده لا تستطيع فتح المضيق بنفسها، ويتوسل إلى الآخرين أن يتدخلوا. إنه اعتراف بأن القوة التي كانت تهدد بإبادة إيران لم تستطع حتى إعادة عقارب الساعة في مضيق هرمز إلى ما قبل الحرب، فالمشكلة تعقدت على واشنطن ولم تُحَلّ، وإيران خرجت من المواجهة وهي القوة الإقليمية الضابطة لأهم شريان نفطي في العالم.

الورقة الثانية: فرض معادلة حماية لبنان.. لطالما سعى العدو الإسرائيلي والولايات المتحدة إلى فصل لبنان عن العمق الاستراتيجي الإيراني، وتحويله إلى ساحة مفتوحة للعدوان الإسرائيلي دون أي رادع، لكن البند الأول من مذكرة التفاهم قلَب هذه المعادلة رأساً على عقب: ثلاث مرات ورد اسم لبنان في البند الأول، مع إعلان وقف دائم للعمليات العسكرية على جميع الجبهات "بما في ذلك لبنان"، والتعهد بضمان وحدة أراضي لبنان وسيادته.

هذا النص لا يحمي لبنان من عدوان محتمل فحسب، بل يضعه تحت مظلة اتفاق دولي ترعاه أمريكا نفسها، ما يحول أي اعتداء إسرائيلي لاحق إلى خرق لاتفاق دولي تتحمل واشنطن مسؤولية ضمانه. وهنا إيران لم تترك حلفاءها وحدهم تحت أي ظرف كما أكد المتحدث باسم خارجيتها، بل فرضت الحماية لهم في صلب وثيقة الهزيمة الأمريكية. وهذا انتصار دبلوماسي وعسكري يجعل من لبنان نقطة ارتكاز جديدة لاستراتيجية الردع الإيرانية في شرق المتوسط.

الورقة الثالثة: الرفع الكامل للعقوبات وإبعاد الصواريخ عن التفاوض.. ظلت العقوبات الاقتصادية السلاح الأشد فتكاً في الترسانة الأمريكية ضد إيران، وكانت واشنطن تلوح بها وتشددها وتستخدمها كرافعة لإخضاع طهران وتجويع شعبها، لكن بنود المذكرة فرضت رفعاً كاملاً لجميع العقوبات، دون تمييز بين عقوبات أممية وأمريكية أحادية، مع إعادة الأموال المجمدة كاملة دون قيود إلى البنك المركزي الإيراني. وهنا تحطم هذا السلاح بالكامل، وتحول إلى أثر بعد عين.

والأكثر إثارة للدهشة هو ما جرى لملف الصواريخ الباليستية. كانت "إسرائيل" وأمريكا تصران على أن يكون البرنامج الصاروخي الإيراني على رأس أولويات التفاوض، بل على رأس أهداف التدمير، لكن إيران خرجت من الحرب وقد حصنت قدراتها الصاروخية بجدار منيع، وقد قالها المتحدث باسم الخارجية الإيرانية بأبلغ عبارة: "الصواريخ الإيرانية لا تحب بتاتاً أن يتحدث أحد عنها، وهي صُنعت للإطلاق فقط وليس للتفاوض حولها". وقد بلغ التراجع الأمريكي ذروته عندما صرح ترامب نفسه قائلاً: "إذا كانت دول أخرى تمتلك صواريخ باليستية فمن غير العادل ألا تمتلك إيران أي صواريخ باليستية". تصريح يسقط كل الذرائع السابقة، ويعطي شرعية كاملة للقدرات الصاروخية الإيرانية. من التهديد بتدميرها إلى الاعتراف بعدالة امتلاكها، تلك هي مسافة الهزيمة التي قطعتها واشنطن.

مشاهد من الإذعان.. ترامب يتراجع ويعترف

لا يمكن فهم عمق المأزق الأمريكي دون التوقف عند التحول الدراماتيكي في خطاب مجرم الحرب دونالد ترامب، الرجل الذي ملأ الدنيا صياحاً وتهديداً، وجد نفسه في قصر فرساي يوقع على وثيقة لا تشبه شيئاً مما كان يطالب به. وحين حاول منتقدوه اتهامه بالضعف، انفجر غاضباً واصفاً إياهم بأنهم "حمقى، إما حسودون أو سيئون أو أغبياء". وأضاف في جملة تكشف حجم الضغط الذي كان تحته: "أؤكد لكم أن الأمر لم يكن سهلاً"، وهذا اعتراف صريخ بأن ما وقَّعه لم يكن خياراً طوعياً، بل نتيجة مرغِمة، لإدراكه استحالة تحقيق أي من الأهداف التي شن الحرب من أجلها.

ولإخفاء مرارة الهزيمة، حاول ترامب تسويق أوهام الإنجاز بالقول إن سوق الأسهم سجل مستويات قياسية، وأسعار النفط تتهاوى، لكن السؤال البديهي يفرض نفسه: ألم تكن الأسواق مستقرة أصلاً قبل الحرب؟ ألم تكن أسعار النفط منخفضة دون حاجة إلى دمار وإزهاق أرواح؟ إن عودة الوضع إلى ما كان عليه قبل الحرب ليست إنجازاً يُحتفى به، بل هي دليل دامغ على عبثية الحرب وفشلها، فهي -بالتالي- مصيبة يحاول تلميعها، وهزيمة يسعى لتسويقها نصراً.

رسالة طهران للداخل والخارج

في الوقت الذي كان ترامب يتخبط في تبرير تنازلاته، كانت الرسائل الإيرانية تتسم بقوة الواثق المنتصر، قال قاليباف كلمته الفصل: "مذكرة التفاهم هي وثيقة هزيمة أمريكا، وإذا أراد العدو الخيانة فنحن رجال الميدان، والمسافة عندي بين المواجهة الدبلوماسية والمواجهة العسكرية ليست بعيدة، فأيدينا على الزناد، ومن لا يفهم المنطق سنُفهمه المنطق بالقوة". هذه العبارات هي تلخيص لفلسفة إيرانية أثبتت جدواها: "التعامل مع العدو الناقض للعهود بعدم ثقة كاملة، وتطبيق مبدأ الخطوة مقابل الخطوة بحيث لا تُقدم طهران على أي التزام إلا بعد التحقق من تنفيذ الطرف الآخر لتعهداته". وهذه استراتيجية المنتصر الذي يملك أوراق القوة على الأرض، ويعرف أن الضامن الحقيقي ليس قرارات مجلس الأمن، بل قوة إيران وانسجام شعبها.

 شرعية الصمود وإفلاس الغطرسة

انتهت المعركة التي بدأتها واشنطن لإنهاء إيران، إلى إيران أقوى، وإلى واشنطن مضطرة لتوقيع اتفاق يُقر بسيادتها ويضمن حقوقها ويكافئ صمودها. لقد ربحت طهران مضيق هرمز، وفرضت حماية حلفائها، وأسقطت جدار العقوبات، وأبعدت صواريخها عن أي مساومة، وجعلت من بدأ العدوان يدفع ثمن الدمار.

هذه النتيجة هي تتويج لصمود أمة بأكملها، تمسكت بقيادتها ووحدتها في وجه عاصفة هوجاء. لقد خرجت إيران من هذه الحرب وفي يدها أوراق لم تكن تملكها، وأثبتت أن الغطرسة لا تصنع نصراً، وأن القوة الحقيقية تسكن حيث الإيمان بعدالة القضية والإرادة الصلبة التي لا تلين. وبالتالي فالمعركة التي بدأتها أمريكا تُعَدُّ هزيمة ستبقى مدوية في سجلات التاريخ، وانتصاراً سيُدرس للأجيال، وشاهداً على أن من يراهن على كسر الإرادة الإيرانية لا يجني سوى الخيبة والعار.