موقع أنصار الله| محمد ناصر حتروش

أصبح الصمت الدولي تجاه المجازر التي يرتكبها العدو السعودي في اليمن، غطاءً يكرّس الإفلات من العقاب، فمنذ انتهاء مرحلة خفض التصعيد في 13 يوليو الماضي، وحتى 10 أكتوبر الجاري، ارتفعت حصيلة الضحايا المدنيين إلى 259 شهيدًا وجريحًا، بينهم 91 شهيدًا و168 جريحًا، فيما شكّلت النساء والأطفال نحو 60% منهم. وإلى جانب القتل اليومي، يواصل العدوان تدمير مقومات الحياة: 1400 مدرسة ومركز تعليمي، و436 مستشفى ومرفقًا صحيًا، في انتهاك صارخ لاتفاقيات جنيف والقانون الدولي الإنساني. وفي مواجهة هذا العبث، يتمسك اليمن بحقه المشروع في الدفاع عن النفس وفق المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، وبمعادلة الحصار بالحصار والتصعيد بالتصعيد، حتى وقف العدوان ورفع الحصار وتحقيق المساءلة الدولية.

ومنذ انتهاء مرحلة خفض التصعيد في 13 يوليو من العام الجاري، والدخول في مرحلة فرض معادلة "الحصار بالحصار والتصعيد بالتصعيد"، ارتفعت حصيلة ضحايا العدوان السعودي إلى 259 شهيدًا وجريحًا حتى 10 أكتوبر الجاري، وفقًا لما صرّح به المتحدث الرسمي باسم وزارة الصحة العامة والسكان والبيئة، الدكتور أنيس الأصبحي. ويوضح الأصبحي أن الحصيلة تشمل 91 شهيدًا و168 جريحًا، فيما تشكل النساء والأطفال نحو 60% من إجمالي الضحايا.

وفي حديثه لموقع أنصار الله يؤكد الأصبحي أن الاستهداف الممنهج للأسواق والأعراس والتجمعات المدنية في اليمن خلال 12 عامًا من العدوان السعودي يكشف عن سياسة ترهيب جماعي تهدف إلى إيقاع أكبر قدر من الخسائر البشرية بين المدنيين، بما في ذلك النساء والأطفال، في انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني تستوجب تحقيقًا دوليًا ومساءلة قانونية.

وفي سياق توثيق الأضرار التي طالت الأعيان المدنية والخدمية، يذكر الأصبحي أن المدارس والمراكز التعليمية تعرضت للتدمير أو الأضرار، بإجمالي 1,400 مدرسة ومركز تعليمي خلال عشر سنوات من العدوان، الأمر الذي حرم آلاف الأطفال من التعليم، وأسهم في زيادة معدلات التسرب المدرسي والنزوح الداخلي، فضلًا عن استهداف بعض المدارس أثناء وجود الطلاب، ما أدى إلى سقوط ضحايا بين الأطفال والمعلمين.

ويفيد بأن القصف والتدمير طال 436 مستشفى ومرفقًا صحيًا، بالتزامن مع منع دخول الأدوية والمستلزمات الطبية بسبب الحصار، ما أسهم في انهيار شبه كامل للنظام الصحي، وارتفاع معدلات الوفيات الناجمة عن نقص الرعاية الطبية.

وتشكل هذه الانتهاكات خطورة مضاعفة -بحسب الأصبحي- كونها تمس حق المدنيين في التعليم والصحة، وهما من الحقوق الأساسية التي تحميها قواعد القانون الدولي الإنساني، واتفاقيات جنيف التي تكفل حماية المستشفيات والأعيان المدنية. وخلص إلى أن استهداف المدارس والمستشفيات والمنازل والأحياء السكنية والأسواق والتجمعات المدنية لا يقتصر أثره على الخسائر البشرية والمادية، بل يمتد إلى شل المجتمع عبر حرمانه من التعليم والرعاية الصحية، وتعقيد جهود إعادة البناء، بما يستدعي التحقيق في هذه الوقائع، ومساءلة المسؤولين عنها قانونيًا.

 

من جانبه يؤكد رئيس مركز "عين الإنسانية" للحقوق والتنمية، أحمد أبو حمراء، أن إجمالي الضحايا المباشرين للعدوان والحصار بلغ 54 ألفًا و219 مدنيًا، بينهم 19 ألفًا و446 شهيدًا، و34 ألفًا و773 جريحًا.

ويوضح -في حديثه لموقع أنصار الله- أن الانتهاكات طالت المنشآت الصحية والتعليمية والمطارات والموانئ والمساكن والقطاعات الاقتصادية والزراعية، محملًا المجتمع الدولي والإدارة الأمريكية ودول التحالف مسؤولية تداعيات الحصار. ويجدد التأكيد على مشروعية اليمن في الدفاع عن سيادته، داعيًا إلى رفع الحصار ووقف العدوان ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، باعتبار ذلك مدخلًا لتحقيق السلام العادل والشامل.

الرد على العدوان حق مكفول 

في حين يلتزم العالم الصمت إزاء جرائم العدو السعودي في اليمن، يفوّض أبناء الشعب اليمني القوات المسلحة اليمنية بالرد على تلك المجازر، باعتباره حقًا مشروعًا يحظى بإجماع شعبي، مؤكدين دعمهم الكامل لها بالمال والرجال، ترسيخًا لمعادلة الحصار بالحصار والتصعيد بالتصعيد، التي فرضتها القوات المسلحة بهدف إنهاء العدوان ورفع الحصار السعودي الجائر المفروض على اليمن منذ أكثر من عقد.

وحول هذا الشأن يؤكد المستشار القانوني بوزارة العدل وحقوق الإنسان، حميد يحيى الرفيق، أن الاعتداءات المسلحة المتكررة التي يشنها العدو السعودي على الأراضي اليمنية توفر أساسًا قانونيًا لتمسك اليمن بحقه في الدفاع عن النفس، استنادًا إلى المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، التي تقر بحق الدول في الدفاع عن نفسها عند وقوع هجوم مسلح.

ويوضح -في حديثه لموقع أنصار الله- أن تقييم مشروعية الرد اليمني يستند إلى قواعد القانون الدولي المتعلقة باستخدام القوة، ولا سيما حظر الاعتداء على سلامة أراضي الدول واستقلالها السياسي، إلى جانب قواعد القانون الدولي الإنساني المنظمة للعمليات العسكرية، مشددًا على أن مشروعية كل عملية ترتبط بتوافر الضرورة والتناسب، ومشروعية الأهداف والوسائل المستخدمة. ويشير إلى أن تكرار الاعتداءات السعودية واستمرارها، وما خلفته من خسائر بشرية وأضرار في الأعيان والمنشآت، يقتضي تقييم العمليات اليمنية في إطار حق الدفاع عن النفس، بهدف وقف الهجمات المسلحة وردها ودفع خطرها، لا بوصفها أعمالًا انتقامية أو عقابية.

ويبين الرفيق أن الضوابط القانونية للرد العسكري تشمل وقوع هجوم مسلح، وضرورة استخدام القوة لصد الاعتداء، والتناسب مع الغرض الدفاعي، وتحديد الأهداف العسكرية المشروعة، والتمييز بين المدنيين والمقاتلين، وبين الأعيان المدنية والأهداف العسكرية، فضلًا عن اتخاذ الاحتياطات الممكنة عمليًا لتقليل الأضرار اللاحقة بالمدنيين. ويشدد على أن تقييم مشروعية الرد لا يكون بإطلاق الأحكام على جميع العمليات، وإنما بالنظر إلى ظروف كل عملية ومدى ارتباطها بالغرض الدفاعي والتزامها بقواعد القانون الدولي الإنساني، مؤكدًا أن ثبوت حق الدفاع عن النفس لا يجعل كل عملية عسكرية مشروعة تلقائيًا، بل يظل ذلك مرهونًا بتوافر الضرورة والتناسب واحترام القواعد القانونية المنظمة لاستخدام القوة.

 

المال السعودي يسكت المنظمات الإنسانية 

ورغم توثيق المنظمات الدولية مئات الجرائم المرتكبة في اليمن نفذها العدو السعودي، وإدراج الأمين العام الأسبق للأمم المتحدة، بان كي مون، النظام السعودي ضمن القائمة السوداء عام 2016م، على خلفية الانتهاكات والجرائم المروعة بحق النساء والأطفال في اليمن، ثم إعادة إدراجه مجددًا عام 2017م من قبل الأمين العام الحالي أنطونيو غوتيريش للأسباب ذاتها، رغم كل ذلك لا تزال الأمم المتحدة تتعامل مع الأزمة اليمنية بمعايير مزدوجة. ففي الوقت الذي تدين فيه الرد اليمني المشروع على العدو السعودي، تغض الطرف عن تصعيد العدوان واستهدافه للمدنيين، الأمر الذي يضع مصداقية الأمم المتحدة على المحك، ويثير تساؤلات حول مدى التزامها بمبادئ العدالة وحقوق الإنسان التي تدّعي الدفاع عنها.

وحول هذه الجزئية يؤكد الناشط الحقوقي سند الصيادي أن العدوان السعودي الأمريكي ارتكب مئات الجرائم الموثقة محليًا ودوليًا على مدى سنوات العدوان على اليمن، مستهدفًا أعيانًا وتجمعات مدنية خالصة، شملت الأسواق الشعبية وقاعات ومواكب الأعراس ومجالس العزاء والمناطق السكنية، في انتهاكات لقواعد القانون الدولي الإنساني ترقى في العديد من الوقائع إلى مستوى جرائم الحرب.

وفي حديثه لموقع أنصار الله يستعرض الصيادي أبرز المجازر التي تناولتها تقارير فريق الخبراء البارزين التابع للأمم المتحدة ومنظمات حقوقية دولية، ومنها مجزرة الصالة الكبرى بصنعاء في 8 أكتوبر 2016، وعرس "واحجة" قرب المخا في سبتمبر 2015، وعرس "سنبان" بذمار، وعرس "بني قيس" بحجة، فضلًا عن استهداف أسواق خميس مستبأ وضحيان وآل مقنع وعلاف. وفي ما يتعلق بالقطاع التعليمي، يوضح أن القصف والتدمير أخرجا أكثر من 2,500 منشأة تعليمية عن الخدمة، مستشهدًا باستهداف مدرسة "جمعة بن فاضل" بصعدة، ومدرسة "الراعي" للبنات بصنعاء ومدرسة "الفلاح" في نِهم، وما خلفته تلك الوقائع من ضحايا وحرمان للطلاب من التعليم. ويشير إلى أن الإحصائيات تجاوزت 60 ألف شهيد وجريح، معظمهم من النساء والأطفال، إلى جانب إعاقات مستديمة، وأضرار اقتصادية طالت الأسواق الأسبوعية والمناطق الريفية.

ويحمّل الصيادي شركات السلاح الغربية، خصوصًا الأمريكية والبريطانية، مسؤولية الشراكة في تسليح العدوان، منتقدًا الضغوط السياسية والمالية التي حالت دون تحقيق العدالة للضحايا اليمنيين. ويطالب بتحقيق دولي مستقل وشفاف، وإنشاء آلية تحقيق جنائية دولية تضمن مساءلة المسؤولين عن هذه الجرائم وعدم إفلاتهم من العقاب، مشددًا على أن ملفات المجازر ستظل وثائق إدانة تلاحق مرتكبيها ومموليها ومصدري السلاح لهم.

 

جرائم موثقة 

ووفقًا لنائبة رئيس منظمة "إنسان" للحقوق والحريات، أمل المأخذي، فإن الانتهاكات المتواصلة التي ترتكبها السعودية في اليمن لم تقتصر على الأسواق والمنازل، بل امتدت لتطال أماكن الاحتجاز، مستعرضةً مجزرة الإصلاحية المركزية في مديرية الحزم بمحافظة الجوف، التي وقعت في السابع من سبتمبر 2026، أثناء زيارة أهالي النزلاء لهم، وأسفرت عن سقوط عشرات الشهداء والجرحى، بينهم نساء وأطفال من الزوار.

وفي حديثها لموقع أنصار الله تؤكد المأخذي أن العديد من المنظمات المحلية العاملة في المجال الحقوقي، وعلى رأسها منظمة إنسان، عملت على توثيق العديد من الجرائم التي ارتكبها العدو السعودي في اليمن، موضحةً امتلاك تلك المنظمات ملفًا متكاملًا، وهو ما يخول لليمن محاسبة العدو السعودي قانونيًا. وبحسب المأخذي فقد وثّقت المنظمات الحقوقية خلال مرحلة التصعيد الجاري في اليمن سلسلة من الجرائم الخطيرة في الساحل الغربي وتعز، أبرزها المجزرة التي شهدها سوق مفرق ماوية في مديرية التعزية جنوب تعز، إثر استهدافه بطائرات حربية، ما أسفر عن سقوط ما بين 47 و50 شهيدًا وجريحًا من المدنيين.

وفي إطار توثيق الانتهاكات، تؤكد نائبة رئيس منظمة "إنسان" للحقوق والحريات إصدار تقرير رصد 85 واقعة انتهاك خلال الفترة من يناير 2018 حتى سبتمبر 2026، منها 80 واقعة مرتبطة بالقوات السعودية والإماراتية، وشملت القتل والإصابة والإخفاء القسري والاحتجاز التعسفي والتهجير القسري واستهداف الصيادين.