ما تشهده الساحة الدولية اليوم من تحَرّكات أمريكية متسارعة وتدخلات عسكرية مباشرة أَو غير مباشرة لا يمكن قراءته؛ باعتبَاره ردود فعل طارئة أَو سياسات ظرفية.
ما يحدث هو سلوك ثابت لدولة اعتادت أن تحسم مصالحها بالقوة وتفرض نفوذها عبر الحروب أَو عبر أنظمة تابعة تمهّد الطريق للجيوش والأساطيل.
قبل ستة وعشرين عامًا حذّر الشهيد القائد السيد حسين بدر الدين الحوثي (رضوان الله عليه) من هذا المسار بوضوح لافت، في وقت كان كثيرون ينظرون فيه إلى أمريكا بوصفها شريكًا دوليًّا أَو راعيًا للاستقرار.
اليوم وبعد كُـلّ ما شهدته المنطقة والعالم يتبين أن ذلك التحذير لم يكن خطابًا عاطفيًّا بل قراءة مبكرة لمشروع توسّعي لم يتوقف.
الغزو الأمريكي.. أشكال متعددة وهدف واحد
لم يعد الغزو في المفهوم الأمريكي مقصورًا على إنزال الجيوش واحتلال العواصم؛ فواشنطن تتقدم أولًا عبر الاقتصاد، ثم السياسة، ثم الإعلام، ثم الثقافة والتدجين، وحين تفشل هذه الأدوات لا تتردّد في استخدام القوة العسكرية.
هكذا سقطت دول وتفككت مجتمعات وضاعت سيادات تحت عناوين براقة مثل الديمقراطية ومكافحة الإرهاب.
الواقع يثبت أن أمريكا لا تدخل بلدًا إلا وتتركه مثقلًا بالأزمات: صراعات داخلية، انهيار مؤسّسات، ونهب ثروات.
من أفغانستان إلى العراق، ومن ليبيا إلى ساحات أُخرى كان آخرها فنزويلا، تتكرّر النتيجة نفسها مهما اختلفت الذرائع.
حين تفشل الأدوات.. يحضر العسكر
التحَرّك العسكري الأمريكي غالبًا ما يكون المرحلة الأخيرة بعد استنفاد دور الأنظمة الوظيفية والعملاء المحليين.
وعندما تتعثر هذه الأدوات أَو ينهض شعب رافض للهيمنة، تنتقل واشنطن إلى التهديد المباشر أَو فرض وجودها بالقوة أَو إدارة الحروب من قواعدها المنتشرة حول العالم.
ما يجري اليوم يؤكّـد هذه القاعدة؛ فتصاعد الحضور العسكري وتوسّع القواعد وارتفاع نبرة الخطاب كلها مؤشرات على مأزق سياسي أكثر من كونها استعراض قوة.
وعي مبكر.. وثمن تجاهله
الدول والقوى التي تجاهلت التحذير المبكر من المشروع الأمريكي أَو تعاملت معه باستخفاف تدفع اليوم أثمانًا باهظة من أمنها واستقرارها وسيادتها.
في المقابل، أثبتت التجربة أن من تعامل مع هذا الوعي بجدية وامتلك قرارًا مستقلًا استطاع أن يحد من الخسائر بل وأن يربك الحسابات الأمريكية.
ما يحدث اليوم ليس جديدًا بل تكرار لمسار معروف، الجديد فقط هو اتساع رقعة الانكشاف.
أمريكا لم تغيّر سياستها بل تزداد اندفاعًا كلما ضاق هامش نفوذها؛ أما التحذير الذي أطلق قبل ستة وعشرين عامًا فقد ثبت أنه قراءة واقعية لمستقبل نعيشه الآن بكل تفاصيله.
خاتمة: في زمن سقوط الأقنعة يصبح السؤال الحقيقي: من كان يقرأ المشهد بوعي قرآني، ومن كان يراهن على وَهْمِ الحماية الأمريكية حتى وجد نفسه في قلب العاصفة؟